تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٢٥ أبو الفرج ابن الجوزي (٢)

الصفحات 1502–1507 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 8 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٢٥ أبو الفرج ابن الجوزي (٢)

[١] الشيخ الإمام العلامة، الحافظ المفسر، شيخ الإسلام، مفخر العراق، جمال الدين، أبو الفرج عبد الرحمان بن علي بن محمد، القرشي التيمي البكري البغدادي، الحنبلي، الواعظ، صاحب التصانيف.

وُلِدَ سنة تسع أو عشر وخمس مئة. وأول شيء سمع في سنة ست عشرة. [٢] كان رأساً في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق، والنثر الفائق بديهاً، ويسهب، ويعجب، ويُطرب، ويُطنب، لم يأت قبله ولا بعده مثله، فهو حامل لواء الوعظ، والقيم بفنونه، مع الشكل الحسن، والصوت الطيب، والوقع في النفوس، وحسن السيرة، وكان بحراً في التفسير، علامة في السير والتاريخ، موصوفاً بحسن الحديث، ومعرفة فنونه، فقيهاً، عليماً بالإجماع والاختلاف، جيد المشاركة في الطب، ذا تفنن وفهم وذكاء وحفظ واستحضار، وإكباب على الجمع والتصنيف، مع التصون، والتجمل، وحسن الشارة، ورشاقة العبارة،

(٢) انظر السير: ٢١ / ٣٦٥-٣٨٤.

1502

ولطف الشمائل، والأوصاف الحميدة، والحرمة الوافرة عند الخاص والعام، ما عَرَفْتُ أحداً صَنَّفَ ما صَنَّفَ.

وأقاربه كانوا تجاراً في النحاس، فربما كتب اسمه في السماع عبد الرحمان ابن علي الصَّفَّار.

[١] أحبُّ الوعظ، ولهج به، وهو مراهق، فوعظ الناس وهو صبي، ثم مازال نافق السوق مُعظماً مُتغاليًا فيه، مُزدحماً عليه، مضروباً برونق وعظه المثل، كماله في ازدياد واشتهار، إلى أن مات رحمه الله وسامحه، فليته لم يُخض في التأويل، ولا خالف إمامه.

[٢] وكان ذا حظٍّ عظيم وصيت بعيد في الوعظ، يحضر مجالسه الملوك والوزراء وبعض الخلفاء والأئمة والكبراء، لا يكاد المجلس ينقص عن ألوف كثيرة، حتى قيل في بعض مجالسه: حُرِّرَ الجمع بمئة ألف. ولا ريب أن هذا ما وقع، ولو وقع، لما قدر أن يُسمعهم، ولا المكان يسعهم.

[٣] قال سبطه أبو المظفر: سمعت جدي على المنبر يقول: بأصبعي هاتين كتبت ألفي مجلدة، وتاب على يدي مئة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفاً. وكان يختم في الأسبوع، ولا يخرج من بيته إلا إلى الجمعة أو المجلس. قلت: فما فعلت صلاة الجماعة؟

[٤] ومن غُرِّرَ ألفاظه: عقارب المنايا تلسع، وخدران جسم الآمال يمنع، وماء الحياة في إناء العمر يرشح.

[٥] يا أمير: اذكر عند القدرة عدل الله فيك، وعند العقوبة قدرة الله عليك، ولا تشف غيظك بسقم دينك.

[٦] وقال له رجل: ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس، قال: لأنك تريد الفرجة، وإنما ينبغي الليلة أن لا تنام.

1503

[١] وقام إليه رجل بغيض، فقال: يا سيدي: نريد كلمة نقلها عنك، أيما أفضل أبوبكر أو علي؟ فقال: اجلس، فجلس، ثم قام، فأعاد مقاله، فأقعده، ثم قام، فقال: اقعد، فأنت أفضل (١) من كل أحد.

[٢] وسأله آخر أيام ظهور الشيعة، فقال: أفضلهما من كانت بنته تحته. وهذه عبارة محتملة ترضي الفريقين.

[٣] وسأله آخر: أيما أفضل: أسبح أو أستغفر؟ قال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور.

[٤] وقال: من قنع، طاب عيشة، ومن طمع، طال طيشة.

[٥] وقال يوماً في وعظه: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت، خفت منك، وإن سكت، خفت عليك، وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك، فقول الناصح: اتق الله خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم.

[٦] وقال: يفتخر فرعون مصر بنهر ما أجراه، ما أجراه.

وهذا باب يطول، ففي كتبه النفائس من هذا وأمثاله.

[٧] وقال أبو عبد الله ابن الديبشي في (تاريخه): أنشدني بواسط لنفسه:

يا ساكن الدنيا تأهب وانتظر يوم الفراق وأعد زاداً للرحيل فسوف يحدى بالرفاق وإباك الذنوب بادمع تنهل من سحب المآقي يا من أضاع زمانه أرضيت ما يفنى بياق

[٨] ومن كلامه: ما اجتمع لأمريء أمله، إلا وسعى في تفريطه أجله.

[٩] وكان في المجلس رجل يحسن كلامه، ويزهزه له، فسكت يوماً، فالتفت إليه أبو الفرج، وقال: هارون لفظك معين لموسى نطقي، فأرسله معي رداءً.

(١) يعني من الفضول.

1504

[١] وقد نالته مِحْنَةٌ في أواخر عمره، ووشوا به إلى الخليفة الناصر بأمر اختلف في حقيقته، فجاء من شتمته، وأهانه، وأخذه قبضاً باليد، وختم على داره، وشنت عياله، ثم أقعد في سفينة إلى مدينة واسط، فحبس بها في بيت حرج، وبقي هو يغسل ثوبه، ويطبخ الشيء، فبقي على ذلك خمس سنين ما دخل فيها حماماً. قام عليه الركن عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر، وكان ابن الجوزي لا ينصف الشيخ عبد القادر، ويغض من قدره، فأبغضه أولاده، ووزر صاحبهم ابن القصاب، وقد كان الركن رديء المعتقد، متفلسفاً، فأحرقت كتبه بإشارة ابن الجوزي، وأخذت مدرستهم، فأعطيت لابن الجوزي، فانسم الركن، وقد كان ابن القصاب الوزير يترفض، فأتاه الركن، وقال: أين أنت عن ابن الجوزي الناصبي؟ وهو أيضاً من أولاد أبي بكر، فصرف الركن في الشيخ، فجاء، وأهانه، وأخذه معه في مركب، وعلى الشيخ غلالة بلا سراويل، وقد كان ناظر واسط، شيعياً أيضاً، فقال له الركن: مكني من هذا الفاعل لأرميه في مطمورة، فزجره، وقال: يا زنديق، أفعل هذا بمجرد قولك؟ هات خط أمير المؤمنين، والله لو كان على مذهبي، لبذلت روحي في خدمته، فرد الركن إلى بغداد. وكان السبب في خلاص الشيخ أن ولده يوسف نشأ واشتغل، وعمل في هذه المدة الوعظ وهو صبي، وتوصل حتى شفعت أم الخليفة، وأطلقت الشيخ، وأتى إليه ابنه يوسف، فخرج، وما رد من واسط حتى قرأ هو وابنه بتلقينه بالعشر على ابن الباقلاني، وسن الشيخ نحو الثمانين، فانظر إلى هذه الهمة العالية.

قال الموفق عبد اللطيف: وكان يراعي حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة. جل غذائه الفراريج، ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات، ولباسه أفضل لباس: الأبيض الناعم المطيب، وله ذهن وقاد، وجواب حاضر، ومجون ومداعبة حلوة، ولا ينفك من جارية حسناء.

1505

[١] وكان كثير الغلط فيما يُصنفه، فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره. قلت: هكذا هو له أوهام وألوان من ترك المراجعة، وأخذ العلم من صحف، وصنف شيئاً لو عاش عمراً ثانياً، لما لحق أن يحرره ويتقنه. [٢] قال سبطه: توفي ليلة الثالث عشر من رمضان سنة سبع وتسعين وخمس مئة، وغلقت الأسواق، وجاء الخلق، وصلى عليه ابنه أبوالقاسم علي اتفاقاً، لأن الأعيان لم يقدروا من الوصول إليه، ثم ذهبوا به إلى جامع المنصور، فصلوا عليه، وضاق بالناس، وكان يوماً مشهوداً، فلم يصل إلى حفرته بمقبرة أحمد إلى وقت صلاة الجمعة، وكان في تموز، وأفطر الخلق، ورموا نفوسهم في الماء. إلى أن قال: وما وصل إلى حفرته من الكفن إلا قليل، كذا قال، والعهدة عليه(١)، وأنزل في الحفرة، والمؤذن يقول: الله أكبر، وحزن عليه الخلق، وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات، بالشمع والقناديل، ورآه في تلك الليلة المحدث أحمد بن سلمان السكر في النوم، وهو على منبر من ياقوت، وهو جالس في مقعد صدق والملائكة بين يديه(٢). وأصبحنا يوم السبت عملنا العزاء، وتكلمت فيه، وحضر خلق عظيم، وعملت فيه المراثي.

[٣] وأوصى أن يكتب على قبره:

يا كثير العفو عمن كثر الذنب لديه

جاءك المذنب يرجو الصفيح عن جرم يديه

أنا ضيف وجزاء الصفيف إحسان إليه

موفق الدين، قال: ابن الجوزي أمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في

(١) وقال في (تاريخ الإسلام): (وهذا من مجازفة أبي المظفر) وقد وصف الذهبي السبط بالمجازفة في غير

موضع من كتبه.

(٢) تمام الخبر: والحق سبحانه حاضر يسمع كلامه.

1506

فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب فنون، كان يُصنّف في الفقه، ويدرس، وكان حافظاً للحديث، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة، ولا طريقته فيها، وكانت العامة يُعظّمونه، وكانت تنفلت منه في بعض الأوقات كلمات تنكر عليه في السنة، فيستفتى عليه فيها، ويضيق صدره من أجلها.

[١] وقال الحافظ سيف الدين ابن المجيد: هو كثير الوهم جداً، سمعت ابن نقطة يقول: قيل لابن الأخضر: ألا تجيب عن بعض أوهام ابن الجوزي؟ قال: إنما يتتبع على من قل غلطة، فأما هذا فأوهامه كثيرة.

[٢] ثم قال السيف: ما رأيت أحداً يُعتمد عليه في دينه وعلمه وعقله راضياً عنه.

[٣] قلت: إذا رضي الله عنه، فلا اعتبار بهم.

[٤] قال سبطه أبو المظفر: خلف من الولد علياً، وهو الذي أخذ مصنفات والده، وباعها بيع العبيد، ولمن يزيد، ولما أحذر والده إلى واسط، تحيل على الكتب بالليل، وأخذ منها ما أراد، وباعها ولا بثمن المداود، وكان أبوه قد هجره منذ سنين، فلما امتحن، صار ألباً عليه.

وخلف يوسف محيي الدين، فولي حسبة بغداد في سنة أربع وست مئة، وترسل عن الخلفاء إلى أن ولي في سنة أربعين أستاذ دارية الخلافة. (١) وكان له بنات.

(١) قتله هولاكو صبرا عند احتلاله بغداد وتدميره لها سنة ٦٥٦.

1507

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080