نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٥ - سعد بن أبي وقّاص (ع) (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٥ - سعد بن أبي وقّاص (ع) (٢)
[٥] واسم أبي وقّاص مالك بن أهيب.
الأمير أبو إسحاق القرشي الزهري المكي، أحد العشرة، وأحد السابقين
الأولين، وأحد من شهد بدراً والحديبية، وأحد الستة أهل الشورى.
[٦] إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي، عن أبيه قال: مررتُ بعثمان في
المسجد، فسلّمتُ عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام، فأتيتُ عمر،
فقلت: يا أمير المؤمنين! هل حدث في الإسلام شيء؟ قال: وما ذلك؟ قلت: إني
مررتُ بعثمان آنفاً، فسلّمتُ فلم يردّ عليّ فأرسل عمر إلى عثمان، فأتاه، فقال: ما
(٢) انظر السير: ١/٩٢-١٢٤
20
يمنعك أن تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلتُ. قلت: بلى، حتى حلف وحلفتُ، ثم إنه ذكر فقال: بلى، فاستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفاً، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ، لا والله ما ذكرتها قط إلا يغشى بصري وقلبي غشاوة. فقال سعد: فأنا أنبئك بها. إن رسول الله ﷺ، ذكر لنا أول دعوة، ثم جاءه أعرابي فشغله، ثم قام رسول الله ﷺ، فأتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله، ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي فالتفت، فقال: أبو إسحاق؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فمه؟ قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاء هذا الأعرابي. فقال: نعم، دعوة ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فإنها لم يدع بها مسلم ربه في شي قط إلا استجاب له.
[١] توفي بالعقيق في قصره، على سبعة أميال من المدينة، وحُمل إليها سنة خمس وخمسين.
[٢] عن سعيد بن المسيب، سمعتُ سعداً يقول: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمتُ، ولقد مكثت سبع ليالٍ وإني لثلث الإسلام.
عن قيس قال: قال سعد: ما جمع رسول الله ﷺ، أبويه لأحد قبلي. ولقد رأيته ليقول لي: ياسعدُ إرم فداك أبي وأمي! وإني لأول المسلمين رمى المشركين بسهم. ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ، سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاء.
عن عامر بن سعد عن أبيه: أن رسول الله ﷺ، جمع له أبويه. قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين. فقال رسول الله ﷺ: «إرم فداك أبي وأمي» فنزعتُ بسهم ليس فيه نصل، فأصبت جبهته، فوقع وانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ، حتى بدت نواجذه.
21
[١] عن عائشة قالت: أرق رسول الله ﷺ، ذات ليلة، فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة. قالت: فسمعنا صوت السلاح، فقال رسول الله: من هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص: أنا يا رسول الله جئت أحرسك، فنام رسول الله ﷺ، حتى سمعت غطيته.
[٢] عن عامر بن سعد أن أباه سعداً كان في غنم له، فجاء ابنه عمر، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما انتهى إليه، قال: يا أبة أرضيت أن تكون أعرابياً في غنمك، والناس يتنازعون في الملك بالمدينة، فضرب صدر عمر، وقال: اسكت فإني سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إن الله عز وجل يحب العبد التقي الغني الخفي».
[٣] عن سعد قال: رأيت رجلين عن يمين رسول الله ﷺ ويساره في يوم أحد، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد.
[٤] عن أبي إسحاق قال: أشد الصحابة أربعة: عمر، وعلي، والزبير، وسعد. [٥] عن أبي عثمان أن سعداً قال: نزلت هذه الآية في ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت ٨] قال: كنت براً بأمي، فلما أسلمت، قالت: يا سعد! ما هذا الدين الذي قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا، أو لا آكل، ولا أشرب حتى أموت، فتغير بي، فيقال: يا قاتل أمه، قلت: لا تفعلي يا أمه، إني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوماً لا تأكل ولا تشرب وليلة، وأصبحت وقد جُهدت، فلما رأيت ذلك، قلت: يا أمه! تعلمين والله لو كان لك مئة نفس، فخرجت نفساً نفساً، ما تركت ديني. إن شئت فكلي أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك، أكلت.
[٦] عن جابر قال: كنا مع رسول الله ﷺ، إذ أقبل سعد بن مالك فقال رسول الله: «هذا خالي، فليرني امرؤ خاله».
22
قلت: لأن أم النبي ﷺ زهريّة، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف، ابنة عم أبي وقاص.
[١] قال سعد: اشتكيت بمكة، فدخل علي رسول الله ﷺ يعوّذني، فمسح وجهي وصدري وبطني، وقال: (اللهم اشف سعداً) فما زلت يخيل إلي أني أجد برد يده، ﷺ، على كبدي حتى الساعة.
[٢] عن قيس أخبرني سعد أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك».
عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر، فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي. فقال سعد: أما أنا، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، صلاتي العشي لا أخرم منها، أركد في الأولين وأحذف في الآخرين، فقال عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. فبعث رجالاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجداً من مساجد الكوفة، إلا قالوا خيراً، حتى أتوا مسجداً لبني عيسى، فقال رجل يقال له أبو سعدة: أما إذا نشدتمونا بالله، فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية، فقال سعد: اللهم إن كان كاذباً، فاعلم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن.
قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك. فإذا سئل كيف أنت؟ يقول: كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. متفق عليه. [٣] ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد، وهو كان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية، ونصر الله دينه. ونزل سعد بالمدائن، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء فكان النصر على يده، واستأصل الله الأكاسرة.
[٤] عن ابن المسيب أن رجلاً كان يقع في علي وطلحة والزبير، فجعل سعد ينهاه ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى، فقام سعد، وصلى ركعتين ودعا، فجاء بختي يشق الناس فأخذه بالبلاط، فوضعه بين كركرته والبلاط حتى سحقه، فأنا رأيت
23
الناس يتبعون سعداً ويقولون: هنيئاً لك يا أبا اسحاق! استُجِيبت دعوتك (١).
قلتُ في هذا كرامة مشتركة بين الداعي والذين نيل منهم.
[١] وفي سنة إحدى وعشرين شكاً أهل الكوفة سعداً أميرهم إلى عمر، فعزله.
[٢] عن عمرو بن ميمون، عن عمر أنه لما أصيب، جعل الأمر شورى في الستة
وقال: من استخلفوه فهو الخليفة بعدي، وإن أصابت سعداً، وإلا فليستعن به
الخليفة بعدي، فإنني لم أنزعه، يعني عن الكوفة، من ضعف ولا خيانة.
[٣] عن حسين بن خارجة الأشجعي قال: لما قُتل عثمان، أشكلت علي الفتنة،
فقلتُ: اللهم أرني من الحق أمراً أتمسك به، فرأيتُ في النوم الدنيا والآخرة بينهما
حائط، فهبطتُ الحائط، فإذا بنفر، فقالوا: نحن الملائكة، قلتُ: فأين الشهداء؟
قالوا: اصعد الدرجات، فصعدتُ درجة ثم أخرى، فإذا محمد وإبراهيم، صلى
الله عليهما، وإذا محمد يقول لإبراهيم: استغفر لأمتي، قال: إنك لا تدري ما
أحدثوا بعدك، إنهم اهرقوا دماءهم، وقتلوا إمامهم، ألا فعلوا كما فعل خليلي
سعد؟
قال: قلتُ: لقد رأيتُ رؤيا، فأتيت سعداً فقصصتها عليه، فما أكثر فرحاً،
وقال: قد خاب من لم يكن إبراهيم عليه السلام خليله، قلتُ: مع أي الطائفتين
أنت؟ قال: ما أنا مع واحد منهما، قلتُ: فما تأمرني؟ قال: هل لك من غنم؟
قلتُ: لا، قال: فاشتر غنماً، فكن فيها حتى تنجلي.
[٤] عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: (مرضت عام الفتح مرضاً أشفيت منه، فأتاني
رسول الله ﷺ، يعوذني، فقلتُ: يا رسول الله! إن لي مالاً كثيراً، وليس يرثني إلا
ابنة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلتُ: فالشطر، قال: لا، قلتُ: فالثلث،
قال: والثلث كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالةً يتكففون
(١) البختي: الإبل الخراسانية تنتج من بين عربي ودخيل، والكركرة: زور البعير.
24
الناس، لعلك تؤخر على جميع أصحابك، وإنك لن تنفق نفقة تريد بها وجه الله، إلا أجرت فيها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك، قلت: يا رسول الله إني أرهب أن أموت بأرض هاجرت منها، قال: لعلك أن تبقى حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة) يرثي له أنه مات بمكة.
قلت: اعتزل سعد الفتنة، فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم، ولقد كان أهلاً للإمامة، كبير الشأن، رضي الله عنه. [١] وعن أم سلمة أنها قالت: لما مات سعد، وجيء بسريره فأدخل عليها، جعلت تبكي وتقول: بقية أصحاب رسول الله ﷺ، [٢] مات سنة ست وخمسين.
25