تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٤٨٢ أحمد بن حنبل (ع) (١)

الصفحات 811–839 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 43 دقيقة

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٤٨٢ أحمد بن حنبل (ع) (١)

[٢] هو الإمام حقاً، وشيخ الإسلام صدقاً، أبو عبدالله، أحمد بن محمد بن حنبل، الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي، أحد الأئمة الأعلام. رُبي أحمد يتيماً.

قال صالح، قال لي أبي: ولدت سنة أربع وستين ومئة. طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، في العام الذي مات فيه مالك، وحماد بن زيد. ومن صفته:

كان شيخاً مخضوباً طوالاً أسمر شديد السمرة. وعن محمد بن عباس النحوي، قال: رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه ربعة، يخضب بالحناء خضاباً ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، ورأيت ثيابه غلاظاً بيضاً، ورأيته معتماً وعليه إزار.

(١) انظر السير: ١١ / ١٧٧-٣٥٨.

811

[١] وقال المَرْوَذي: رأيتُ أبا عبد الله إذا كان في البيت عامَّة جلوسه متربعاً خاشعاً، فإذا كان برّاً، لم يتبين منه شدة خشوع، وكنتُ أدخل، والجزء في يده يقرأ.

[٢] وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله، يقول: تزوجت وأنا ابن أربعين سنة، فرزق الله خيراً كثيراً.

قال عبد الله بن أحمد: قال لي أبو زرعة: أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب. فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يُعَدُّون في ذلك المكرَّر، والأثر، وفتوى التابعين، وما فُسِّر، ونحو ذلك. وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك.

قال إبراهيم الحربي: رأيتُ أبا عبد الله، كان الله جمع له علم الأولين والآخرين.

أحمد بن سَلَمَة: سمعت ابن راهويه، يقول: كنت أجالس أحمد وابن معين، وتذاكر فأقول: ما فقهه؟ وما تفسيره؟ فيسكتون إلا أحمد. [٣] قال: وحدثنا المروذي: قلتُ لأحمد: أكان أغمي عليك، أو غشي عليك عند ابن عيينة؟ قال: نعم، في دهليزه زحمني الناس، فأغمي علي. وروي أن سفيان قال يومئذ: كيف أحدث وقد مات خير الناس؟

[٤] وعن شيخ أنه كان عنده كتاب بخط أحمد بن حنبل، فقال: كنا عند ابن عيينة سنة، ففقدت أحمد بن حنبل أياماً، فدللت على موضعه، فجئتُ فإذا هو في شبيه بكهف في جِياد (١). فقلت: سلام عليكم، أدخل؟ فقال: لا ثم قال: ادخل، فدخلتُ، وإذا عليه قطعة لبد خلق، فقلت: لم حجبتني؟ فقال: حتى استترت. فقلت: ما شأنك؟ قال: سُرقت ثيابي. قال: فبادرتُ إلى منزلي فجئته بمئة درهم، فعرضتها عليه، فامتنع، فقلت: قرضاً، فأبى، حتى بلغت عشرين درهماً، ويأبى. فقامت، وقلت: ما يحل لك أن تقتل نفسك. قال: ارجع،

(١) موضع بمكة يلي الصفا.

812

فرجعت، فقال: أليس قد سمعت معي ابن عُيينة؟ قلت: بلى. قال: تحب أن أَسْخَه لك؟ قلت: نعم. قال: اشتر لي ورقاً. قال: فكتب بدراهم اكتسى منها ثوبين.

[١] كان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق، فسها، فسأل عنه عبد الرزاق، فأخبر إنه لم يأكل منذ ثلاثة أيام شيئاً.

[٢] المروذي: سمعت جعفر بن ميمون بن الأصبغ، سمعت أبي يقول: كنا عند يزيد بن هارون، وكان عنده المُعَيطِي، وأبو خيثمة، وأحمد، وكانت في يزيد، رحمه الله، مداعبة، فذاكره المعيطي بشيء. فقال له يزيد: فقدتك، فتنحح أحمد فالتفت إليه، فقال: من ذا؟ قالوا: أحمد بن حنبل، فقال: ألا أعلمتوني أنه ها هنا؟

[٣] قال أحمد بن سنان القطان: ما رأيتُ يزيد لأحد أشد تعظيماً منه لأحمد بن حنبل، ولا أكرم أحداً مثله، كان يقعده إلى جنبه ويوقره، ولا يمازحه. [٤] وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحداً أفقه ولا أورغ من أحمد بن حنبل. قلت: قال هذا، وقد رأى مثل الثوري ومالك وابن جريج.

[٥] وقال قتيبة: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب، يعني: أحمد بن حنبل، وإذا رأيت رجلاً يحب أحمد، فاعلم أنه صاحب سنة. ولو أدرك عصر الشوري، والأوزاعي، والليث، لكان هو المقدم عليهم. فقيل لقتية: يضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.

[٦] وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلاً أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل.

[٧] وروى عن إسحاق بن راهويه، قال: أحمد حجة بين الله وبين خلقه. [٨] وقال عبد الله بن أحمد: قال أصحاب بشر الحافي له حين ضرب أبي: لو أنك خرجت فقلت: إني على قول أحمد، فقال: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء؟!

[٩] القاسم بن محمد الصائغ: سمعت المروذي، يقول: دخلت على ذي النون السجن، ونحن بالعسكر، فقال: أي شيء حال سيدنا؟ يعني: أحمد بن حنبل. [١٠] عن ابن المديني، قال: أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من كتاب.

813

[١] وعن محمد بن مُصعب العابد، قال: لَسُوطٌ ضُرِبَهُ أحمد بن حنبل في الله

أكبر من أيام بشر بن الحارث.

قلت: بشر عظيم القدر كأحمد، ولا ندري وزن الأعمال، إنما الله يعلم

ذلك.

وقال الحنيني: سمعت اسماعيل بن الخليل، يقول: لو كان أحمد بن حنبل

في بني إسرائيل لكان آية.

[٢] محمد بن يحيى النيسابوري، حين بلغه وفاة أحمد، يقول: ينبغي لكل أهل

دار ببغداد أن يُقيموا عليه النياحة في دورهم.

قلت: تكلم الذهلي بمقتضى الحزن لا بمقتضى الشرع.

لما مات سعيد بن أحمد بن حنبل، جاء إبراهيم الحربي إلى عبدالله بن

أحمد، فقام إليه عبدالله، فقال: تقوم إلي؟ قال: والله لو رآك أبي، لقام إليك،

فقال إبراهيم: والله لو رأى ابن عيينة أباك، لقام إليه.

وقد أثنى على أبي عبدالله جماعة من أولياء الله، وتبركوا به. روى ذلك ابن

الجوزي، وشيخ الإسلام ولم يصح سند بعض ذلك.

في فضله وتألهه وشمائله:

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، قال: بلغني أن أحمد ابن حنبل

رهن نعله عند خباز باليمن، وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه وعرض عليه

عبدالرزاق دراهم صالحة، فلم يقبلها.

[٣] وبعث ابن طاهر حين مات أحمد بأكفان وحنوط، فأبى صالح أن يقبله وقال:

إن أبي قد أعد كفنه وحنوطه، ورده، فراجعه، فقال: إن أمير المؤمنين أعفى أبا

عبدالله مما يكره، وهذا مما يكره، فلست أقبله.

[٤] دخل على أحمد عمه، فقال: يا ابن أخي، أيش هذا الغم؟ وأيش هذا

الحزن؟ فرفع رأسه، وقال: يا عم، طوبى لمن أحمل الله ذكره.

[٥] قال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح، قال: ربما رأيت أبي يأخذ الكسر، ينفض

الغبار عنها، ويصيرها في قصعة، ويصب عليها ماء ثم يأكلها بالملح. وما رأيته

814

اشترى رماناً ولا سفرجلاً ولا شيئاً من الفاكهة، إلا أن تكون بطيخة فيأكلها بخبز وعنباً وتمراً.

[١] وقال لي: كانت والدتك في الظلام تغزل غزلاً دقيقاً، فتبيع الأستار بدرهمين أقل أو أكثر، فكان ذلك قوتنا، وكنا إذا اشترينا الشيء نستره عنه كيلا يراه، فيوبخنا، وكان ربما خبز له، فيجعل في فخارة عدساً وشحماً وتمرات، وكان يأتدم بالخل كثيراً.

[٢] وكان إذا توضأ لا يدع من يستقي له، وربما اعتللت فيأخذ قدحاً فيه ماء فيقرأ فيه، ثم يقول: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك.

[٣] وكان ربما أخذ القدوم، وخرج إلى دار السكان، يعمل الشيء بيده. واعتل فتعالج.

[٤] وكان ربما خرج إلى البقال، فيشتري الجزرة الحطب والشيء، فيحمله بيده. وكان يتنور في البيت. فقال لي في يوم شتوي: أريد أدخل الحمام بعد المغرب، فقل لصاحب الحمام. ثم بعث إلي: إني قد أضربت عن الدخول. وتنور في البيت.

[٥] وكنت أسمعه كثيراً يقول: اللهم سلم سلم.

[٦] وأخبرنا المروذي: قلت لأبي عبدالله: ما أكثر الداعي لك! قال: أخاف أن يكون هذا استدراجاً بأي شيء هذا؟ وقلت له: قدم رجل من طرسوس، فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل، رفعوا أصواتهم بالدعاء، ادعوا لأبي عبدالله، وكنا نمد المنجنيق ونرمي عن أبي عبدالله. ولقد رمي عنه بحجر، والعلج على الحصن مترس بدرقة فذهب برأسه وبالدرقة، قال: فتغير وجه أبي عبدالله وقال: ليته لا يكون استدراجاً. قلت: كلا.

[٧] وعن رجل قال: عندنا بخراسان يظنون أن أحمد لا يشبه البشر يظنون أنه من الملائكة.

[٨] وقال آخر: نظرة عندنا من أحمد تعدل عبادة سنة.

815

قلت: هذا غلو لا ينبغي، لكن الباعث له حب ولي الله في الله. [١] قال المروذي: رأيتُ طبيباً نصرانياً خرج من عند أحمد معه راهب، فقال: إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبدالله.

وأدخلتُ نصرانياً على أبي عبدالله، فقال له: إني لأشتهي أن أراك منذ سنين. ما بقاؤك صلاح للإسلام وحدهم، بل للخلق جميعاً، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك.

[٢] قال عباس الدوري: حدثنا علي بن أبي فزارة جارنا، قال: كانت أمي مقعدة من نحو عشرين سنة. فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل، فسله أن يدعو لي، فأتيت، فدفقت عليه وهو في دهليزه، فقال: من هذا؟ قلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء. فسمعت كلامه كلام رجل مغضب. فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا. فوليت منصرفاً، فخرجت عجوز، فقالت: قد تركته يدعو لها. فجئت إلى بيتنا ودفقت الباب، فخرجت أمي على رجليها تمشي.

هذه الواقعة نقلها ثقتان عن عباس.

[٣] قال عبدالله بن أحمد: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة. فلما مرض من تلك الأسواط، أضعفته، فكان يصلي كل يوم وليلة مئة وخمسين ركعة.

[٤] وعن أبي اسماعيل الترمذي: قال: جاء رجل بعشرة آلاف من ريح تجارته إلى أحمد فردها. وقيل: إن صيرفياً بذل لأحمد خمس مئة دينار، فلم يقبل.

ومن آدابه:

[٥] قال عبدالله بن أحمد: رأيتُ أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم، فيضعها على فيه يقبلها. وأحسب أني رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به.

816

[١] ورأيته أخذ قَصْعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في حُبِّ الماء ثم شرب

فيها ورأيته يَشْرَبُ من ماء زمزم يستشفي به، ويمسح به يديه ووجهه.

[٢] قلت: أين المتطوع المنكر على أحمد، وقد ثبت أن عبدالله سأل أباه عمن

يلمس رُمَّانة منبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويَمَسُّ الحجرة النبوية، فقال: لا

أرى لذلك بأساً. أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع.

[٣] وقال المروذي: قال لي أحمد: ما كتبت حديثاً إلا وقد عملت به حتى مرَّ

بي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً، فأعطيت

الحجام ديناراً حين احتجمت.

[٤] قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد، صحبناه خمسين سنة ما افتخر

علينا بشيء مما كان فيه من الخير.

[٥] قال عبدالله بن أحمد: كان أبي يقرأ كل يوم سبعاً، وكان ينام نومة خفيفة بعد

العشاء، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو.

[٦] قال المروذي: كان أبو عبدالله إذا ذكر الموت، خنقته العبرة وكان يقول:

الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذكرت الموت هان علي كل أمر

الدنيا. إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل. ما أعدل

بالفقر شيئاً، ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر.

[٧] وسئل عن القراءة بالألحان، فقال: هذه بدعة لا تسمع.

[٨] وعن المروذي، قال: لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد.

كان مائلاً إليهم، مقصراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول،

وكان كثير التواضع تعلوه السكينة والوقار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر

للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر.

[٩] قال عبدالله: رأيت أبي حرج على النمل أن يخرجوا من داره فرأيت النمل قد

خرجن بعد نملًا سوداً، فلم أرهم بعد ذلك.

[١٠] عبدالله بن أحمد، قال: قال أبو سعيد بن أبي حنيفة المؤدب: كنت آتي أباك

فيدفع إلي الثلاثة درهم وأقل وأكثر ويقعد معي، فيتحدث، وربما أعطاني

817

الشيء، ويقول: أعطيتك نصف ما عندنا. فجئت يوماً، فأطلتُ القعود أنا وهو. قال: ثم خرج ومعه تحت كسائه أربعة أرغفة. فقال: هذا نصف ما عندنا. فقلت: هي أحب إلي من أربعة آلاف من غيرك.

[١] وكان أبو عبدالله شديد الحياء، كريم الأخلاق، يُعجبه السخاء. [٢] قال المروذي: رأيتُ أبا عبدالله يقوم لورده قريباً من نصف الليل حتى يُقارب السحر. ورأيتُه يركع فيما بين المغرب والعشاء.

[٣] وقال عبدالله: ربما سمعتُ أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم. وكان يُكثر الدعاء ويخفيه، ويُصلي بين العشاءين، فإذا صلى عشاء الآخرة، ركع ركعات صالحة، ثم يُوتر وينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيُصلي وكانت قراءته لينة، ربما لم أفهم بعضها. وكان يصوم ويُدمَن، ثم يُفطر ما شاء الله. ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض. فلما رجع من العسكر، أدمن الصوم إلى أن مات. [٤] قال له خراساني: الحمد لله الذي رأيتك، قال: اقعُد، أي شيء ذا؟ من أنا؟.

[٥] وعن رجل قال: رأيتُ أثر الغم في وجه أبي عبدالله، وقد أثنى عليه شخص، وقيل له: جزاك الله عن الإسلام خيراً، قال: بل جزى الله الإسلام عني خيراً. من أنا وما أنا؟!

قال إبراهيم الحربي: كان أحمد يُجيب في العرس والختان، ويأكل. وذكر غيره أن أحمد ربما استعفى من الإجابة. وكان إن رأى إناء فضة أو منكراً، خرج. وكان يُحب الخمول والانزواء عن الناس، ويعود المريض وكان يكره المشي في الأسواق، ويؤثر الوحدة.

[٦] وروى عن المردوي، قال: قلت لأحمد: كيف أصبحت؟ قال: كيف أصبح من ربه يُطالبه بأداء الفرائض، ونبيه يُطالبه بأداء السنة والملكان يطلبانه بتصحيح العمل، ونفسه تُطالبه بهواها، وإبليس يُطالبه بالفحشاء، وملك الموت يُراقب قبض روحه، وعياله يُطالبونه بالنفقة؟!

818

[١] فاطمة بنت أحمد بن حنبل، قالت: وقع الحريق في بيت أخي صالح وكان قد تزوج بفتية، فحملوا إليه جهازاً شبيهاً بأربعة آلاف دينار فأكلته النار فجعل صالح، يقول: ما غمني ما ذهب إلا ثوب لأبي كان يصلي فيه أتبرك به وأصلي فيه. قالت: فطفيء الحريق، ودخلوا فوجدوا الثوب على سرير قد أكلت النار

ما حوله وسلم.

[٢] قال ابن الجوزي: بلغني عن قاضي القضاة علي بن الحسين الزينبي أنه حكى أن الحريق وقع في دارهم، فأحرق ما فيها إلا كتاباً كان فيه شيء بخط الإمام أحمد. قال: ولما وقع الغرق ببغداد في سنة ٥٥٤، وغرقت كتبي، سلم

لي مجلد فيه ورقتان بخط الإمام.

[٣] قلت: وكذا استفاض وثبت أن الغرق الكائن بعد العشرين وسبع مئة ببغداد عام على مقابر مقبرة أحمد، وأن الماء دخل في الدهليز علو ذراع، ووقف بقدرة

الله، وبقيت الحصر حول قبر الإمام بغبارها، وكان ذلك آية.

[٤] محمد بن المسيب، سمعت زكريا بن يحيى الضرير، يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يكون مفتياً؟ يكفيه مئة ألف؟ فقال:

لا. إلى أن قال: فيكفيه خمس مئة ألف حديث؟ قال: أرجو.

[٥] المحنة:

[٦] الصدع بالحق عظيم، يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به، والقوي بلا إخلاص يُخذل، فمن قام بهما كاملاً، فهو صديق. ومن ضعف، فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب. ليس وراء ذلك إيمان، فلا

قوة إلا بالله.

عن ثوبان قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم. «إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون، وإذا وضع السيف عليهم، لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضربهم من خالفهم

أو خذلهم حتى يأتي أمر الله».

819

عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ أَنْ يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقَالٌ، فَلَا يَقُولُ فِيهِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا مَنَعَكَ؟ فَيَقُولُ: مَخَافَةُ النَّاسِ. فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخَافَ».

[١] كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائماً في خلافة أبي بكر وعمر فلما استشهد قُفْلُ باب الفتنة عمر رضي الله عنه، وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبح صبراً. وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين. فظهرت الخوارج، وكفرت سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.

[٢] وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها. إلى بعد المئتين، فظهر المأمون الخليفة - وكان ذكياً متكلماً، له نظر في المعقول - فاستجلب كتب الأوائل، وعرب حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وحب ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها، بل والشيعة. وآل به الحال إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء، فلم يمهّل. وهلك لعامه، وخلى بعده شراً وبلاءً في الدين. فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، لا يعرفون غير ذلك، حتى نبع لهم القول بأنه كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله. فأنكر ذلك العلماء ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين فلما ولي المأمون، كان منهم، وأظهر المقالة. روى أحمد بن إبراهيم الدّورقي، عن محمد بن نوح: أن الرشيد قال: بلغني أن بشر بن غياث المريسي، يقول: القرآن مخلوق، فله علي إن أظفرني به، لأقتلنه. قال الدروقي: وكان متوارياً أيام الرشيد فلما مات الرشيد، ظهر، ودعا إلى الضلالة.

820

[١] قلت: ثم إن المأمون نظر في الكلام، وناظر، وبقي متوقفاً في الدعاء إلى

بدعته.

[٢] قال أبو الفرج بن الجوزي: خالطه قوم من المعتزلة، فحسّنوا له القول بخلق

القرآن، وكان يتردد ويراقب الشيوخ، ثم قوي عزمه وامتحن الناس. ابن عرعرة، حدثني ابن أكثم، قال: قال لنا المأمون: لولا مكان يزيد بن هارون، لأظهرت أن القرآن مخلوق فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، ومن يزيد حتى يتقى؟ فقال: ويحك!! إني أخاف أن أظهرته فيرد علي يختلف الناس، وتكون فتنة، وأنا أكر الفتنة. فقال الرجل: فأنا أخبر ذلك منه، قال له: نعم، فخرج إلى واسط، فجاء إلى يزيد، وقال: يا أبا خالد، إن أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول لك: إني أريد أن أظهر خلق القرآن، فقال: كذبت على أمير المؤمنين. أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه فإن كنت صادقاً، فأقعد. فإذا اجتمع الناس في المجلس، فقل. قال: فلما أن كان الغد، اجتمعوا. فقام، فقال كمقالته، فقال يزيد: كذبت على أمير المؤمنين، إنه لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه، ومالم يقل به أحد. قال: فقدم، وقال: يا أمير

المؤمنين، كنت أعلم، وقص عليه، قال: ويحك يلعب بك!! قال صالح بن أحمد: سمعت أبي، يقول: لما دخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة، قرأ علينا كتاب الذي صار إلى طرسوس، يعني: المأمون فكان فيما قرىء علينا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].

﴿هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فقلت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. قال صالح: ثم امتحن القوم، ووجه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعاً غير أربعة: أبي، ومحمد بن نوح، والقواريري، والحسن بن حماد سجادة. ثم أجاب هذان، وبقي أبي ومحمد في الحبس أياماً، ثم جاء كتاب

من طرسوس بحملهما مقيدين زميلين. [١] الأصم: حدثنا عباس الدوري: سمعت أبا جعفر الأنباري، يقول: لما حمل

821

أحمد إلى المأمون، أخبرت، فعبرتُ الفرات، فإذا هو جالس في الخان، فسلمتُ عليه، فقال: يا أبا جعفر، تعنيت. فقلت: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليُجِيبَنَّ خلق، وإن أنت لم تُجِب، ليمتنعَنَّ خلق من الناس كثير. ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لا بُدَّ من الموت، فاتق الله ولا تجب فجعل أحمد يبكي، ويقول: ما شاء الله. ثم قال: يا أبا جعفر، أعد علي فأعدت عليه، وهو يقول: ما شاء الله. [١] قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: جعلوا يذاكرون أبا عبدالله بالرقة في التقيّة وما رُوي فيها. فقال: كيف تصنعون بحديث خباب: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يُنْشَرُ أَحَدُهُمْ بِالْمِنْشَارِ، لَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» فأيسنا منه. [٢] وقال: لستُ أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلاً بالسيف إنما أخاف فتنة السوط. فسمعه بعض أهل الحبس، فقال: لا عليك يا أبا عبدالله، فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي، فكأنه سري عنه. [٣] عن محمد بن إبراهيم بن مصعب، وهو يومئذ صاحب شرطة المعتصم خلافة لأخيه اسحاق بن إبراهيم، قال: ما رأيتُ أحداً لم يُداخل السلطان، ولا خالط الملوك، كان أثبت قلباً من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب. قال صالح بن أحمد: قال أبي: فلما صرنا إلى أذنة، ورحلنا منها في جوف الليل، وفتح لنا بابها، إذا رجل قد دخل. فقال: البشري! قد مات الرجل يعني: المأمون. قال أبي: وكنتُ أدعو الله أن لا أراه. وبقي أحمد محبوساً بالرقة حتى بويع المعتصم إثر موت أخيه، فردَّ أحمد إلى بغداد.

[٤] قال أبو عبدالله: ما رأيتُ أحداً على حداثة سنه، وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير قال لي ذات يوم: يا أبا عبدالله، الله الله، إنك لست مثلي. أنت رجل يُقتدى بك. قد مد الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك، فاتق الله وأثبت لأمر الله، أو نحو هذا. فمات،

822

وصليتُ عليه، ودفنته.

قال صالح: وصار أبي إلى بغداد مقيداً، ثم حُبس في دارِ اكثريت عند دار عمارة، ثم حوّل إلى حبس العامة في درب الموصلية. فقال: كنت أصلي بأهل السجن، وأنا مقيد. فلما كان في رمضان سنة تسع عشر - قلت: وذلك بعد موت المأمون بأربعة عشر شهراً - حوّلت إلى دار إسحاق بن إبراهيم، يعني: نائب بغداد.

فلما كان في الليلة الرابعة، وجه، يعني: المعتصم، يبغا الكبير إلى إسحاق، فأمره بحملي إليه، فأدخلتُ على إسحاق، فقال: يا أحمد إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى، إن لم تجبه، أن يضربك ضرباً بعد ضرب وأن يقتلك في موضع لا يرى فيه شمس ولا قمر. أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]. أفيكون مجعولاً إلا مخلوقاً؟ فقلت: فقد قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]. أفخلقهم؟ قال: فسكت، فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجتُ، وجيء بدابة فأركبتُ وعليّ الأقياد، ما معي من يمسكني، فكدتُ غير مرة أن أخر على وجهي لتقل القيود. فجيء بي إلى دار المعتصم، فأدخلتُ حجرة، ثم أدخلتُ بيتاً، وأقفل الباب علي في جوف الليل ولا سراج، فأردتُ الوضوء، فمددتُ يدي، فإذا بإناء فيه ماء، وطست موضوع، فتوضأتُ وصليت.

فلما كان من الغد، أخرجتُ تكتي، وشددتُ بها الأقياد أحملها وعطفتُ سراويلي. فجاء رسول المعتصم، فقال: أجب فأخذ بيدي، وأدخلني عليه، والتكّة في يدي، أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس، وأحمد بن أبي دواد حاضر، وقد جمع خلقاً كثيراً من أصحابه فقال لي المعتصم: ادنه ادنه. فلم يزل يدنيني حتى قربت منه. ثم قال: اجلس فجلست، وقد أثقلتني الأقياد، فمكثت قليلاً، ثم قلت: أتأذن في الكلام؟ قال: تكلم، فقلت: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيّة، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد

823

أن لا إله إلا الله. ثم قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألوه عن الإيمان، فقال: «أتدرون ما الإيمان؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم». قال أبي: فقال يعني: المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي، ما عرضت لك.

[١] ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمرك برفع المحنة؟ فقلت: الله أكبر! إن في هذا لفرجاً للمسلمين. ثم قال لهم: ناظروه وكلموه، يا عبد الرحمن كلمه. فقال: ما تقول في القرآن؟ قلت: ما تقول أنت في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؟ [الرعد: ١٦]. والقرآن أليس شيئاً؟ فقلت: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥].

فدمرت إلا ما أراد الله.. فقال بعضهم: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] أفيكون محدث إلا مخلوقاً؟ فقلت: قال الله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (ص: ١) فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين (إن الله خلق الذكر) فقلت: هذا خطأ، حدثنا غير واحد: «إن الله كتب الذكر» واحتجوا بحديث ابن مسعود: «ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي». فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب «يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه». فقلت: هكذا هو.

قال صالح: وجعل ابن أبي دواد ينظر إلى أبي كالمغضب. قال أبي: وكان يتكلم هذا، فأرد عليه. ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم، اعترض ابن أبي دواد، فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مضل مبتدع!

824

فيقول: كلّموه، ناظروه. فيكلمني هذا، فأرد عليه، ويكلمني هذا، فأرد عليه. فإذا انقطعوا، يقول المعتصم: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أقول به. فطال المجلس، وقام، وردّدت إلى الموضع.

فلما أصبحنا، جاء رسوله، فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه، فقال لهم ناظروه وكلموه، فجعلوا يناظروني، فأردّ عليهم. فإذا جاؤوا بشيء من الكلام مما ليس في الكتب والسنة، قلت: ما أدري ما هذا. قال: فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت له الحجة علينا، ثبت وإذا كلمناه بشيء، يقول: لا أدري ما هذا؟ فقال: ناظروه. فقال رجل: يا أحمد، أراك تذكر الحديث وتنتجله، فقلت: ما تقول في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؟. قال: خص الله بها المؤمنين. قلت: ما تقول إن كان قاتلاً أو عبداً؟ فسكت، وإنما احتججت عليهم بهذا، لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن. فحيث قال لي: أراك تنتجل الحديث، احتججت بالقرآن، يعني: وإن السنة خصصت القاتل والعبد، فأخرجتهما من العموم. قال: فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال. فلما ضجر، قال: قوموا، ثم خلا بي، وبعبد الرحمن بن إسحاق، فلم يزل يكلمني، ثم قام ودخل. وردّدت إلى الموضع.

قال: فلما كانت الليلة الثالثة، قلت: خليق أن يحدث غداً من أمري شيء فقلت للموكل بي: أريد خيطاً فجاءني بخيط، فشددت به الأقياد، وردّدت النكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شيء فأنعري. فلما كان من الغد، أدخلت إلى الدار، فإذا هي غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك. ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء. فلما انتهيت إليه قال: أقعد. ثم قال: ناظروه، كلموه. فجعلوا يناظروني يتكلم هذا، فأرد عليه، ويتكلم هذا، فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم. فجعل بعض من هو قائم على رأسي يوميء إلي بيده، فلما طال

825

المجلس، نحّاني. ثم خلا بهم، ثم نحاهم، وردني إلى عنده، وقال: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فردّدت عليه نحو ردي. فقال: عليك، وذكر اللعن، خذوه اسحبوه خلعوه. فسُجبت وخلعت.

[١] قال: وقد كان صار إليّ شعر من شعر النبي، صلى الله عليه وسلم في كمّ قميصي، فوجّه إليّ إسحاق بن ابراهيم، يقول: ما هذا المصرور؟ قلت: شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسعى بعضهم ليخرق القميص عني، فقال المعتصم: لا تخرقوه، فنزع، فظننت أنه إنما درىء عن القميص الخرق بالشعر. قال: وجلس المعتصم على كرسي ثم قال: العقابين والسياط فجيء بالعقابين، فمدّت يداي، فقال بعض من حضر خلفي: خذ ناتيء الخشبتين بيديك، وشدّ عليهما. فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداي.

قال محمد بن ابراهيم البوشنجي: ذكروا أن المعتصم الآن في أمر أحمد لما علق في العقابين، ورأى ثباته وتصميمه وصلابته، حتى أغراه أحمد بن أبي دواد، وقال: يا أمير المؤمنين، إن تركته، قيل: قد ترك مذهب المأمون، وسخط قوله، فهاجه ذلك على ضربه.

قال صالح: قال أبي: ولما جيء بالسياط، نظر إليهما المعتصم فقال: ائتوني بغيرها، ثم قال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم إليّ الرجل منهم، فيضربني سوطين، فيقول له: شدّ، قطع الله يدك! ثم ينتحى ويتقدم آخر، فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شدّ، قطع الله يدك! فلما ضربت سبعة عشر سوطاً، قام إليّ، يعني: المعتصم فقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق، وجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك! إمامك على رأسك قائم. وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي، اقتله، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم، وأنت في الشمس قائم! فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به. فرجع

826

وَجَلَسَ. وَقَالَ لِلْجِلَادِ: تَقَدَّمْ، وَأَوْجِعْ. قَطَعَ اللَّهُ يَدَكَ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ وَجَعَلَ يَقُولُ: وَيْحَكَ يَا أَحْمَدُ: أَجِبْنِي. فَجَعَلُوا يُقْبِلُونَ عَلَيَّ، وَيَقُولُونَ: يَا أَحْمَدُ، إِمَامُكَ عَلَى رَأْسِكَ قَائِمٌ! وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: مَنْ صَنَعَ مِنْ أَصْحَابِكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا تَصْنَعُ؟ وَالْمُعْتَصِمُ يَقُولُ: أَجِبْنِي إِلَى شَيْءٍ لَكَ فِيهِ أَدْنَى فَرَجٍ حَتَّى أُطْلِقَ عَنْكَ بِيَدِي، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ لِلْجِلَادِ: تَقَدَّمْ، فَجَعَلَ يَضْرِبُنِي سَوْطِينَ وَيَتَنَحَّى، وَهُوَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ يَقُولُ: شُدَّ، قَطَعَ اللَّهُ يَدَكَ فَذَهَبَ عَقْلِي، ثُمَّ أَفْقَتُ بَعْدُ، فَإِذَا الْأَقْيَادُ قَدْ أُطْلِقَتْ عَنِّي. فَقَالَ لِي رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ: كَبَّيْنَاكَ عَلَى وَجْهِكَ، وَطَرَحْنَا عَلَى ظَهْرِكَ بَارِيَةً (١) وَدُسْنَاكَ! قَالَ أَبِي فَمَا شَعَرْتُ بِذَلِكَ وَأَتُونِي بِسَوِيقٍ، وَقَالُوا: اشْرَبْ وَتَقَيَّأْ، فَقُلْتُ: لَا أُفْطِرُ. ثُمَّ جِيءَ بِي إِلَى دَارِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَضَرَتِ الظَّهْرُ، فَتَقَدَّمَ ابْنُ سَمَاعَةَ، فَصَلَّى. فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقَالَ لِي: صُلِّيْتُ، وَالدَّمُ يَسِيلُ فِي ثَوْبِكَ؟ قُلْتُ: قَدْ صَلَّى عُمَرُ، وَجُرْحُهُ يُنْعَبُ دَمًا. (٢)

قَالَ صَالِحٌ: ثُمَّ خُلِّيَ عَنْهُ، فَصَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَكَانَ مُكْثُهُ فِي السِّجْنِ مُنْذُ أَخَذَ إِلَى أَنْ ضُرِبَ وَخُلِيَ عَنْهُ، ثَمَانِيَةَ وَعِشْرِينَ شَهْرًا. وَلَقَدْ حَدَّثَنِي أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا مَعَهُ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَشْبِهُهُ، وَلَقَدْ جَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ فِي وَقْتٍ مَا يُوجَّهُ إِلَيْنَا بِالطَّعَامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَنْتَ صَائِمٌ، وَأَنْتَ فِي مَوْضِعِ تَقِيَّةٍ. وَلَقَدْ عَطِشَ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الشَّرَابِ: نَاوِلْنِي، فَنَاوَلَهُ قَدْحًا فِيهِ مَاءٌ وَثَلَجَ، فَأَخَذَهُ وَنَظَرَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّهُ، وَلَمْ يَشْرَبْ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَهُوَ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْهَوْلِ! قَالَ صَالِحٌ: فَكُنْتُ أَلْتَمِسُ وَأَحْتَالُ أَنْ أُوصِلَ إِلَيْهِ طَعَامًا أَوْ رَغِيفًا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، فَلَمْ أَقْدِرْ. وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ حَضَرَهُ: أَنَّهُ تَفَقَّدَهُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَهُمْ يَنَاظِرُونَهُ، فَمَا لَحِنَ فِي كَلِمَةٍ. قَالَ: وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَكُونُ فِي مِثْلِ شَجَاعَتِهِ

(١) الحَصِيرُ الْمَنْسُوجُ.

(٢) أَي: يَجْرِي وَيَتَفَجَّرُ مِنْهُ الدَّمُ.

827

وشِدَّة قلبه.

قال حنبل: سمعتُ أبا عبدالله، يقول: ذهب عقلي مراراً، فكان إذا رُفع عني الضرب، رَجَعْتُ إلى نفسي. وإذا استرخيت وسقطتُ، رُفع الضرب أصابني ذلك مراراً. ورأيتُه، يعني: المعتصم، قاعدا في الشمس بغير مظلة، فسمعته، وقد أفقت، يقول لابن أبي ذؤاد، لقد ارتكبت إثما في أمر هذا الرجل. فقال: يا أمير المؤمنين، إنه - والله - كافر مشرك، قد أشرك من غير وجه. فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد. وقد كان أراد تخليتي بلا ضرب، فلم يدعه، ولا إسحاق ابن إبراهيم.

قال حنبل: وبلغني أن المعتصم، قال لابن أبي ذؤاد بعدما ضرب أبو عبدالله: كم ضرب؟ قال: أربعة أو نيفاً وثلاثين سوطاً.

[١] قال ابن أبي حاتم: حدثني أحمد بن سنان، قال: بلغني أن أحمد بن حنبل، جعل المعتصم في حل يوم فتح عاصمة بابك وظفر به، أوفي فتح عمورية، فقال: هو في حل من ضربي.

[٢] قال ابن أبي حاتم: سمعتُ أبا زرعة، يقول: دعا المعتصم بعم أحمد، ثم قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم، هو أحمد بن حنبل قال: فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم. ولولا أنه فعل ذلك، لكنت أخاف أن يقع شيء لا يُقام له. قال: ولما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن، هذا الناس وسكنوا.

قلت: ما قال هذا مع تمكنه في الخلافة وشجاعته إلا عن أمر كبير كأنه خاف أن يموت من الضرب، فتخرج عليه العامة. ولو خرج عليه عامة بغداد لربما عجز عنهم.

وبلغنا أن المعتصم ندم، وأسقط في يده، حتى صلح. [٣] وسمعته يقول: كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعاً، وقد جعلت أبا إسحاق - يعني: المعتصم - في حل، ورأيت الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَّا تُحِبُّونَ

828

أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَبَابَكَرَ بِالْعَفْوِ فِي قِصَّةِ مِسْطَحٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَمَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ فِي سَبَبِكَ؟!!

محنة الواثق:

قَالَ حَنْبَلٌ: لَمْ يَزَلْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ بَرِيءَ مِنَ الضَّرْبِ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَيُحَدِّثُ وَيُفْتِي، حَتَّى مَاتَ الْمُعْتَصِمُ، وَوَلِيَ ابْنُهُ الْوَاثِقُ فَأَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ مِنَ الْمِحْنَةِ وَالْمَيْلِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُوَادٍ وَأَصْحَابِهِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ وَأَظْهَرَتِ الْقَضَاءُ الْمِحْنَةَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَفُرِّقَ بَيْنَ فَضْلِ الْأَنْمَاطِيِّ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَبَيْنَ أَبِي صَالِحٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ، وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ إِذَا رَجَعَ، وَيَقُولُ: تُؤْتَى الْجُمُعَةُ لِفَضْلِهَا، وَالصَّلَاةُ تُعَادُ خَلْفَ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ.

[١] وَجَاءَ نَفَرٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالُوا: هَذَا الْأَمْرُ قَدْ فَشَا وَتَفَاقَمَ وَنَحْنُ نَخَافُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَذَكَرُوا ابْنَ أَبِي دُوَادٍ، وَأَنَّهُ عَلَى أَنْ يَأْمُرَ الْمُعَلِّمِينَ بِتَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ فِي الْمَكْتَبِ: الْقُرْآنُ كَذَا وَكَذَا، فَنَحْنُ لَا نَرْضَى بِإِمَارَتِهِ. فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَنَاظَرَهُمْ. وَحَكَى أَحْمَدُ قُصْدَهُ فِي مَنَاظَرَتِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ فِي أَيَّامِ الْوَاثِقِ، إِذْ جَاءَ يَعْقُوبُ لَيْلًا بِرِسَالَةِ الْأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَقُولُ لَكَ الْأَمِيرُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ ذَكَرَكَ فَلَا يَجْتَمِعَنَّ إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَلَا تُسَاكِنِّي [٢] بِأَرْضٍ وَلَا مَدِينَةٍ أَنَا فِيهَا، فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ. قَالَ: فَاخْتَفَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَقِيَّةَ حَيَاةِ الْوَاثِقِ وَكَانَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ، وَقَتَلَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْخَزَاعِيُّ. وَلَمْ يَزَلْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُخْتَفِيًا فِي الْبَيْتِ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا إِلَى غَيْرِهَا حَتَّى هَلَكَ الْوَاثِقُ.

[٣] وَعَنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: اخْتَفَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عِنْدِي ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: اطْلُبْ لِي مَوْضِعًا، قُلْتُ: لَا آمَنَ عَلَيْكَ، قَالَ: افْعَلْ، فَإِذَا فَعَلْتَ، أَفْدِئْكَ. فَطَلَبْتُ

829

له موضعاً، فلما خرج، قال: اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الغار

ثلاثة أيام ثم تحول.

فصل في حال الإمام في دولة المتوكل

قال حنبل: وَلِيَ المتوكل جعفر، فأظهر الله السُّنَّة، وفرج عن الناس، وكان

أبو عبد الله يُحَدِّثُنا ويُحَدِّثُ أصحابه في أيام المتوكل وسمعته يقول: ما كان الناس

إلى الحديث والعلم أحوج منهم إليه في زماننا.

ثم وَلِيَ بغداد عبد الله بن إسحاق، فجاء رسوله إلى أبي عبد الله فذهب إليه،

فقرأ عليه كتاب المتوكل، وقال له: يَأْمُرُك بالخروج يعني: إلى سامراء، فقال:

أنا شيخ ضعيف عليل. فكتب عبد الله بما رد عليه فورد جواب الكتاب: أن أمير

المؤمنين يأمره بالخروج. فوجّه عبد الله أجناداً، فباتوا على بابنا أياماً، حتى تهيأ

أبو عبد الله للخروج فخرج ومعه صالح وعبد الله وأبي.

قال حنبل: فأخبرني أبي، قال: دخلنا إلى العسكر، فإذا نحن بموكب عظيم

مُقبل، فلما حاذى بنا، قالوا: هذا وصيف، وإذا بفارس قد أقبل، فقال لأبي

عبد الله: الأمير وصيف يقرئك السلام، ويقول لك: إن الله قد أمكنك من

عدوك، يعني: ابن أبي دواد، وأمير المؤمنين يقبل منك، فلا تدع شيئاً إلا

تكلمت به. فما رد عليه أبو عبد الله شيئاً. وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين،

ودعوت لوصيف. ومضينا فأنزلنا في دار إيتاخ. وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها

ألوان يأمر بها المتوكل والثلج والفاكهة وغير ذلك، فما ذاق منها أبو عبد الله شيئاً،

ولا نظر إليها. وكان نفقة المائدة في اليوم مئة وعشرين درهماً.

وكان يحيى بن خاقان، وابنه عبيد الله، وعلي بن الجهم يختلفون إلى أبي

عبد الله برسالة المتوكل. ودامت العلة بأبي عبد الله وضعف شديداً. وكان

يواصل، ومكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يشرب، ففي الثامن دخلت عليه، وقد

كاد أن يُطْفَأ، فقلت: يا أبا عبد الله، ابن الزبير كان يواصل سبعة، وهذا لك

830

اليوم ثمانية أيام. قال: إني مطبق. قلت: بحقي عليك. قال: فإني أفعل. فأتيته بسويق فشرب. ووجه إليه المتوكل بمال عظيم. فرده، فقال له عبيدالله بن يحيى: فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك. قال: هم مستغنون. فردها عليه فأخذها عبيدالله، فقسمها على ولده، ثم أجرى المتوكل على أهله وولده في كل شهر أربعة آلاف. فبعث إليه أبو عبد الله: إنهم في كفاية، وليست بهم حاجة. فبعث إليه المتوكل: إنما هذا لولدك، فما لك ولهذا؟ فأمسك أبو عبد الله، فلم يزل يجري علينا حتى مات المتوكل.

[١] وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي كلام كثير. وقال: يا عم ما بقي من أعمارنا. كأنك بالأمر قد نزل. فالله الله، فإن أولادنا إنما يريدون أن يأكلوا بنا، وإنما هي أيام قلائل، وإنما هذه فتنة قال أبي: فقلت: أرجو أن يؤمنك الله مما تحذر. فقال: كيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم؟ لو تركتموها، لتركوكم. ماذا تنتظر؟ إنما هو الموت. فإما إلى جنة، وإما إلى نار. فطوبى لمن قدم على خير. قال: فقلت: أليس قد أمرت ما جاءك من هذا المال من غير إشراف نفس، ولا مسألة أن تأخذه؟ قال: قد أخذت مرة بلا إشراف نفس، فالثانية والثالثة؟ ألم تستشرف نفسك؟ قلت: أفلم يأخذ ابن عمر وابن عباس؟ فقال: ما هذا وذاك! وقال: لو أعلم أن هذا المال يؤخذ من وجهه، ولا يكون فيه ظلم ولا حيف لم أبال.

قال حنبل: ولما طالت علة أبي عبد الله، كان المتوكل يبعث بابن ماسويه المتطبّب، فيصف له الأدوية، فلا يتعالج. ويدخل ابن ماسويه، فقال: يا أمير المؤمنين ليست بأحمد علة، إنما هو من قلة الطعام والصيام والعبادة، فسكت المتوكل.

وبلغ أم المتوكل خبر أبي عبد الله، فقالت لابنها: أشتهي أن أرى هذا الرجل، فوجه المتوكل إلى أبي عبد الله، يسأله أن يدخل على ابنه المعتز، ويدعو له ويسلم عليه، ويجعله في حجره. فامتنع ثم أجاب رجاء أن يطلق،

831

وينحدر إلى بغداد، فوجّه إليه المتوكل خِلْعَةً وأتوهُ بداية يركبها إلى المعتز، فامتنع، وكانت عليه ميثرة نمور فقدم إليه بغل لتاجر، فركبه، وجلس المتوكل مع أمه في مجلس من المكان وعلى المجلس ستر رقيق. فدخل أبو عبدالله على المعتز، ونظر إليه المتوكل وأمه. فلما رأته، قالت: يا بني، الله الله في هذا الرجل فليس هذا ممن يريد ما عندكم، ولا المصلحة أن تحبسه عن منزله، فأذن له ليذهب، فدخل أبو عبدالله على المعتز، فقال: السلام عليكم، وجلس ولم يسلم عليه بالإمرة. فسمعت أبا عبدالله بعد يقول: لما دخلت عليه، وجلست، قال مؤدبه: أصلح الله الأمير، هذا هو الذي أمره أمير المؤمنين يؤدبك ويعلمك؟ فقال الصبي: إن علمني شيئاً، تعلمته، ! قال أبو عبدالله: فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره، وكان صغيراً.

ودامت علة أبي عبدالله، وبلغ المتوكل ما هو فيه، وكلمه يحيى بن خاقان أيضاً، وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا، فأذن له في الانصراف فجاء عبيدالله بن يحيى وقت العصر، فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وأمر أن يفرش لك حراقة (1) تنحدر فيها. فقال أبو عبدالله: اطلبوا لي زورقاً أنحدر الساعة. فطلبوا له زورقاً، فانحدر لوقته.

قال حنبل: فما علمنا بقدومه حتى قيل: إنه قد وافى، فاستقبلته بناحية القطيعة. وقد خرج من الزورق، فمشيت معه، فقال لي: تقدم لا يراك الناس فيعرفوني، فتقدمته. قال: فلما وصل، ألقى نفسه على قفاه من التعب والعياء. [1] قال صالح بن أحمد: قدم المتوكل فنزل الشماسية، يريد المدائن فقال لي أبي: أحب أن لا تذهب إليهم تنبه علي. فلما كان بعد يوم أنا قاعد، وكان يوماً مطيراً، فإذا يحيى بن خاقان قد جاء في موكب عظيم والمطر عليه، فقال لي: سبحان الله لم تصر إلينا حتى تبلغ أمير المؤمنين السلام عن شيخك، حتى وجه بي، ثم نزل خارج الزقاق، فجهدت به أن يدخل على الدابة فلم يفعل،

(1) السفينة الخفيفة.

832

فجعل يخوض المطر. فلما وصل نزع جُرمُوقه، ودخل وأبي في الزاوية عليه كساء، فسلم عليه، وقبل جبهته، وسأله عن حاله، وقال: أمير المؤمنين يُقربك السلام، ويقول: كيف أنت في نفسك، وكيف حالك؟ وقد أنست بقربك، يسألك أن تدعو له فقال: ما يأتي علي يوم إلا وأنا أدعو الله له. ثم قال: قد وجه معي ألف دينار تُفرِّقها على أهل الحاجة. فقال: يا أبا زكريا، أنا في بيت مُنقطع، وقد أغفاني من كلما أكره، وهذا مما أكره. فقال: يا أبا عبدالله، الخلفاء لا يحتملون هذا. فقال: يا أبا زكريا تلطف في ذلك. فدعا له، ثم قام، فلما صار إلى الدار، رجع، وقال: هكذا لو وجه إليك بعض إخوانك كنت تفعل؟ قال: نعم. فلما صرنا إلى الدهليز، قال: قد أمرني أمير المؤمنين أدفعها إليك تُفرِّقها. فقالت: تكون عندك إلى أن تمضي هذه الأيام.

ومن سيرته:

أبو مسلم محمد بن اسماعيل: حدثنا صالح بن أحمد، قال: مضيت مع أبي يوم جمعة إلى الجامع، فوافقنا الناس قد انصرفوا. فدخل إلى المسجد، وكان معنا إبراهيم بن هانيء، فتقدم أبي فصلى بنا الظهر أربعاً. وقال: قد فعله ابن مسعود بعلقه والأسود. وكان أبي إذا دخل مقبرة، خلع نعليه، وأمسكهما بيده. [١] إبراهيم بن محمد بن سفيان: سمعت عاصم بن عصام البيهقي، يقول: بت ليلة عند أحمد بن حنبل، فجاء بماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء بحاله، فقال: سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل. [٢] أحمد بن بندار الشعار: حدثنا أبو يحيى بن الرازي: سمعت علي بن سعيد الرازي، قال: صرنا مع أحمد بن حنبل إلى باب المتوكل، فلما أدخلوه من باب الخاصة، قال: انصرفوا، عافاكم الله. فما مرض منا أحد بعد ذلك اليوم. [٣] قال الخلال: بلينا بقوم جهال، يظنون أنهم علماء. فإذا ذكرنا فضائل أبي عبدالله، يُخرجهم الحسد، إلى أن قال بعضهم فيما أخبرني ثقة عنه: أحمد بن حنبل نبيهم.

833

وقال عبد الله: سمعتُ أبي، يقول: ربما أردتُ البكور في الحديث، فتأخذ أمي بثوبي، وتقول: حتى يُؤذَنَ المؤذن.

(باب)

[١] طاهر بن خلف، سمعتُ المهتدي بالله محمد بن الواثق، يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل أحداً، أحضرنا. فأتي بشيخ مخضوب مقيد فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه، يعني: ابن أبي دواد قال: فأدخل الشيخ، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لا سلم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بشئ ما أدبك مؤدبك قال الله تعالى:

﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾

(النساء: ٨٦).

فقال ابن أبي دواد: الرجل متكلم. قال له: كلمه، فقال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟ قال: لم ينصفني، ولي السؤال. قال: سل قال: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. قال الشيخ: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوبكر وعمر، والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ قال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، علمته أنت؟ فخجل. فقال: أقتني، قال: المسألة بحالها. قال: نعم علموه، فقال: علموه ولم يدعوا الناس إليه، قال: نعم. قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ قال: فقام أبي، فدخل مجلساً، واستلقى، وهو يقول: شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أبوبكر وعمر وعثمان وعلي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت! سبحان الله! شيء علموه، ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟! ثم أمر برفع قيوده، وأن يعطى مئة دينار، ويؤذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دواد ولم يمتحن بعدها أبداً.

وهذه قصة مليحة، وإن كان في طريقها من يجهل ولها شاهد.

834

(فصل)

[١] كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون نحو خمس مئة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسَّمْت.

[٢] عبدالله بن محمد الوراق: كنت في مجلس أحمد بن حنبل، فقال: من أين أقبلتم؟ قلنا: من مجلس أبي كريب، فقال: اكتبوا عنه، فإنه شيخ صالح، فقلنا: إنه يطعن عليك. قال: فأي شيء حيلتي، شيخ صالح قد بلي بي. [٣] كان أحمد من أحى الناس، وأكرمهم، وأحسنهم عشرة وأدباً كثير الإطراق، لا يسمع منه إلا المذاكرة للحديث، وذكر الصالحين في وقار وسكون، ولفظ حسن. وإذا لقيه إنسان، بش به، وأقبل عليه. وكان يتواضع للشيوخ شديداً، وكانوا يعظمونه، وكان يفعل يحيى بن معين ما لم أره يعمل بغيره من التواضع والتكريم والتبجيل. كان يحيى أكبر منه بسبع سنين.

[٤] عبدالله بن أحمد، قال: كان أبي إذا أتى البيت من المسجد، ضرب برجله حتى يسمعوا صوت نعل، وربما تنحج ليعلموا به.

[٥] إسحاق بن هاني، قال: كنا عند أحمد بن حنبل في منزله، ومعه المروذي، ومهني، فدق داق الباب، وقال: المروذي ها هنا؟ فكان المروذي كره أن يعلم موضعه فوضع مهني أصبعه في راحته، وقال: ليس المروذي ها هنا، وما يصنع المروذي هاهنا؟ فضحك أحمد، ولم ينكر.

[٦] قال إبراهيم الحربي: سئل أحمد عن المسلم يقول للنصراني: أكرمك الله. قال: نعم، ينوي بها الإسلام.

[٧] وقيل: سئل أحمد عن رجل نذر أن يطوف على أربع، فقال: يطوف طوافين، ولا يطف على أربع.

[٨] قال ابن عقيل: من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجهال، أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه محدث. قال: وهذا غاية الجهل لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم. وربما زاد على كبارهم.

835

[١] قلت: أحسبهم يَظُنُّونه كان محدِّثاً ويس، بل يتخيَّلونه من بابة محدثي زماننا. والله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث، ومالك والشافعي، وأبي يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفضيل، وإبراهيم بن أدهم، وفي الحفظ رتبة شعبة، ويحيى القطان، وابن المديني ولكن الجاهل لا يعلم رتبة غيره؟!!

[٢] ابن السَّمَّاك: حدثنا حنبل، قال: جمعنا أحمد بن حنبل، أنا وصالح وعبدالله، وقرأ علينا «المسند»، وما سمعه غيرنا. وقال: هذا الكتاب: جمعته وانتقيته من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفاً فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه. فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة.

[٣] قلت: في «الصحيحين» أحاديث قليلة، ليست في «المسند»، لكن قد يُقال: لا ترد على قوله. فإن المسلمين ما اختلفوا فيها، ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما وجد فيه أن يكون حجة، ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يَسُوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها. وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر. وفي غضون المسنين زيادات جمة لعبدالله بن أحمد. قال ابن الجوزي: وله - يعني: أبا عبدالله - من المصنفات كتاب «نفي التشبيه» مجلدة، وكتاب «الإمامة» مجلدة صغيرة، وكتاب «الرد على الزنادقة» ثلاثة أجزاء، وكتاب «الزهد» مجلد كبير وكتاب «الرسالة في الصلاة» - قلت: هو موضوع على الإمام - قال: وكتاب «فضائل الصحابة» مجلدة. قلت: فيه زيادات لعبدالله ابنه، ولأبي بكر القطيعي صاحبه.

زوجاته وآله:

قال زهير بن صالح: تزوج جدي بأم عبَّاسة، فلم يولد له منها سوى أبي، ثم توفيت، ثم تزوج ريحانة امرأة من العرب فما ولدت له سوى عمي عبدالله. [٤] قال الخلال: سمعت المروذي، سمعت أبا عبدالله، ذكر أهله فترحم عليها، وقال: مكثنا عشرين سنة، ما اختلفنا في كلمة. وما علمنا أحمد تزوج ثالثة.

836

[١] قال يعقوب بن بُختان: أمرنا أبو عبدالله أن نشترى له جارية فمضيت أنا

وفوران، فتعني أبو عبدالله، وقال: يا أبا يوسف، يكون لها لحم.

وكان أسن بني أحمد بن حنبل صالح، فولي قضاء أصبهان، ومات بها سنة

خمس وستين ومئتين عن نيف وستين سنة.

والولد الثالث سعيد بن أحمد، فهذا ولد لأحمد قبل موته بخمسين يوماً، فكبر

وتفقه، ومات قبل أخيه عبدالله.

وأما حسن ومحمد وزينب، فلم يبلغنا شيء من أحوالهم، وانقطع عقب أبي

عبدالله فيما نعلم.

مَرَضُهُ:

[٢] وقال المروذي: مرض أحمد تسعة أيام، وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه

أفواجاً، يسلمون ويرد بيده. وتسامع الناس وكثروا.

وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه. وجاء قوم من القضاة

وغيرهم، فلم يؤذن لهم. ودخل عليه شيخ، فقال: اذكر وقوفك بين يدي الله،

فشهق أبو عبدالله، وسالت دموعه.

فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين، قال: ادعوا لي الصبيان بلسان ثقيل. قال:

فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويمسح رؤوسهم وعينه تدمع، وأدخلت

تحته الطست، فرأيت بوله دماً عبيطاً. فقلت للطبيب، فقال: هذا رجل فتت

الحزن والغم جوفه.

واشتدت علته يوم الخميس ووضأته، فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة

الجمعة، ثقل، وقبض صدر النهار، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء،

حتى كان الدنيا قد ارتجت، وامتلات السكك والشوارع.

[٣] الخلال: أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل، قال: أعطى بعض ولد

الفضل بن الربيع أبا عبدالله، وهو في الحبس ثلاث شعرات فقال: هذه من

شعر النبي، صلى الله عليه وسلم، فأوصى أبو عبدالله عند موته أن يجعل على

837

كل عينٍ شعرة، وشعرة على لسانه. ففعل ذلك به عند موته. وقال عبد الله بن أحمد ومطين وغيرهما: مات لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، يوم الجمعة.

قال صالح بن أحمد: واشترينا له حنوطاً، وفرغ من غسله، وكفناه وحضر نحو مئة من بني هاشم، ونحن نكفنه. وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير.

قال عبد الله: صلى على أبي محمد بن عبد الله بن طاهر، غلبنا على الصلاة عليه، وقد كنا صلينا عليه نحن والهاشميون في الدار.

ولم يعلم الناس بذلك، فلما كان في الغد علموا، فجعلوا يجيؤون، ويصلون على القبر. ومكث الناس ما شاء الله، يأتون، فيصلون على القبر. [١] قال الخلال: سمعت عبد الوهاب الوراق، يقول: ما بلغنا أن جمعا في الجاهلية ولا الإسلام مثله - يعني: من شهد الجنازة - حتى بلغنا أن الموضع مسح وحزر على الصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألف وحزرنا على القبور نحواً من ستين ألف امرأة، وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب، ينادون من أراد الوضوء.

[٢] الخلال: سمعت عبد الوهاب الوراق، يقول: أظهر الناس في جنازة أحمد بن حنبل السنة والطعن على أهل البدع، فسر الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة لما رأوا من العز وعلو الإسلام، وكبت أهل الزيغ ولزم بعض الناس القبر، وباتوا عنده، وجعل النساء يأتين حتى منعن، وسمعت المروذي يقول عن علي بن مهرويه، عن خالته، قالت: ما صلوا ببغداد في مسجد العصر يوم وفاة أحمد، وقيل: إن الزحمة دامت على القبر أياماً.

[٣] عن أخي أبي عقيل، قال: رأيت شاباً، توفي بقزوين، فقلت: ما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي. ورأيته مستعجلاً، فسألته، فقال: لأن أهل السماوات قد اشتغلوا بعقد الألوية لاستقبال أحمد بن حنبل، وأنا أريد استقباله. وكان أحمد

838

توفي تلك الأيام.

[١] الهيثم بن خالويه، قال: رأيت السندي في النوم، فقلت: ما حالك؟ قال:

أنا بخير لكن اشتغلوا عني بمجيء أحمد بن حنبل.

[٢] عبدالله بن أحمد بن حنبل، سمعت أبي، يقول: رأيت رب العزة في المنام،

فقلت: يارب، ما أفضل ما تقرب به إليك المتقربون؟ قال: بكلامي يا أحمد.

قلت يا رب، بفهم، أو بغير فهم؟ قال: بفهم وبغير فهم.

[٣] زكريا بن يحيى السمسار، يقول: رأيت أحمد بن حنبل في المنام على رأسه

تاج مرصع بالجوهر، في رجليه نعلان، وهو يخطر بهما. قلت: ما فعل الله بك؟

قال: غفر لي وأدناني، وتوجني بيده بهذا التاج وقال لي: هذا بقولك: القرآن

كلام الله غير مخلوق. قلت: ما هذه الخطرة التي لم أعرفها لك في دار الدنيا؟

قال: هذه مشية الخدام في دار السلام.

[٤] وذكر شيخ الإسلام بإسناد طويل عن محمد بن يحيى الرملي قاضي دمشق

قال: دخلت العراق والحجاز، وكتبت، فمن كثرة الاختلاف لم أدر بأيها آخذ،

فقلت: اللهم اهدني، فتمت، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أسند ظهره

إلى الكعبة، وعن يمينه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو يتبسم إليهما. فقلت:

يارسول الله، بم آخذ؟ فأومأ إلى الشافعي وأحمد، وقال:

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]

[٥] ولقد جمع ابن الجوزي فأوعى من المنامات في نحو من ثلاثين ورقة وليس

أبو عبدالله ممن يحتاج تقرير ولايته إلى منامات، ولكنها جند من جند الله، تسر

المؤمن ولا سيما إذا تواترت.

839

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080