نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٧٢٠ ابْنُ كَلِّسٍ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٧٢٠ ابْنُ كَلِّسٍ (١)
وَزِيرُ الْمَعَزِّ وَالْعَزِيزِ، أَبُو الْفَرَجِ، يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيُّ الَّذِي كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ.
كَانَ دَاهِيَةً، مَكْرًا، فَطِنًا، سَائِسًا، مِنْ رِجَالِ الْعَالَمِ.
سَافِرٌ إِلَى الرُّمْلَةِ، وَتَوَكُّلٌ لِلتِّجَارِ، فَانْكَسَرَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ، وَتَعَثَّرَ فَهَرَبَ إِلَى مِصْرَ، وَجَرَتْ لَهُ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ، فَرَأَى مِنْهُ صَاحِبُ مِصْرَ كَافُورَ الْخَادِمِ فِطْنَةً وَخِبْرَةً بِالْأُمُورِ، وَطَمِعَ هُوَ فِي التَّرَقِّي، فَأَسْلَمَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، ثُمَّ فَهِمَ مَقَاصِدَهُ الْوَزِيرُ ابْنُ حِنْزَابَةَ فَعَمِلَ عَلَيْهِ، فَفَرَّ مِنْهُ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَتَوَصَّلَ بِيَهُودٍ كَانُوا فِي بَابِ الْمَعَزِّ الْعَبِيدِيِّ، فَنَفَقَ عَلَى الْمَعَزِّ، وَكَشَفَ لَهُ أُمُورًا، وَحَسَّنَ لَهُ تَمْلِكُ الْبِلَادَ، ثُمَّ جَاءَ فِي صُحْبَتِهِ إِلَى مِصْرَ، وَقَدْ عَظُمَ أَمْرُهُ، وَلَمَّا وَلِيَ الْعَزِيزُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ اسْتَوْزَرَهُ، فَاسْتَمَرَّ فِي رِفْعَةٍ وَتَمَكَّنَ، إِلَى أَنْ مَاتَ.
وَكَانَ عَالِي الْهِمَّةِ، عَظِيمَ الْهَيْبَةِ، حَسَنَ الْمُدَارَاةِ.
مَرَضَ فَنَزَلَ إِلَيْهِ الْعَزِيزُ يَعُودُهُ، وَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ وَدِدْتُ أَنَّكَ تُبَاعُ فَاشْتَرِيكَ مِنَ الْمَوْتِ بِمُلْكِي، فَهَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَبَكَى وَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: أَمَّا لِنَفْسِي فَلَا، وَلَكِنْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِكَ، سَالِمِ الرُّومِ مَا سَالَمُوكَ، وَاقْنَعْ مِنْ بَنِي حَمْدَانَ بِالدَّعْوَةِ وَالسِّكَّةِ، وَلَا تُبْقِ عَلَى الْمُفْرِجِ بْنِ دُغْفَلٍ مَتَى قَدَرْتُ. ثُمَّ مَاتَ، فَدَفَنَهُ الْعَزِيزُ فِي الْقَصْرِ فِي قُبَّةٍ
(١) انظر السير: ١٦/٤٤٢-٤٤٤
1185
أَشْأَهَا الْعَزِيزُ لِنَفْسِهِ، وَالْحَدَّةُ بِيَدِهِ، وَجَزَعُ لَفَقْدِهِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ حُسْنُ إِسْلَامِهِ مَعَ دُخُولِهِ فِي الرَّفْضِ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَالنَّحْوَ، وَكَانَ يَحْضُرُ عِنْدَهُ الْعُلَمَاءُ، وَتُقْرَأُ عَلَيْهِ تَوَالِيْفُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَلَهُ حُبٌّ زَائِدٌ فِي الْعُلُومِ، عَلَى اخْتِلَافِهَا.
وَقَدْ مَدَّحَهُ عِدَّةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ، وَكَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا.
وَقَالَ الْعَزِيزُ وَهُوَ يَبْكِي: وَاطْوَلُ أَسْفِي عَلَيْكَ يَا وَزِيرُ.
مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَلَاثَ مِئَةٍ، وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَخَلَّفَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ وَالْمَتَاعِ مَالًا يُوصَفُ كَثْرَةً، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَلَكَ مِصْرَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، كَانَ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، كَمَا الْآنَ صَاحِبُ مِصْرَ أَعْلَى مُلُوكِ الطَّوَائِفِ رُتْبَةً وَمَمْلَكَةً.
1186