نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٧٢١ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٧٢١ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)
الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْمَجُودُ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، عِلْمُ الْجِهَادَةِ، أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَحْمَدَ، الْبَغْدَادِيُّ، الْمُقْرِيءُ الْمُحَدِّثُ، مِنْ أَهْلِ مَحَلَّةِ دَارِ الْقَطَنِ بِيغْدَادَ. وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثَ مِئَةٍ.
وَكَانَ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا، انْتَهَى إِلَيْهِ الْحِفْظُ وَمَعْرِفَةُ عِلَلِ الْحَدِيثِ وَرِجَالِهِ، مَعَ التَّقَدُّمِ فِي الْقِرَاءَاتِ وَطُرُقِهَا وَقُوَّةِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْفِقْهِ وَالِاخْتِلَافِ وَالْمَغَازِي، وَأَيَّامِ النَّاسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
صَنَّفَ التَّصَانِيفَ، وَسَارَ ذِكْرُهُ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْقِرَاءَاتِ، وَعَقَدَ لَهَا أَبْوَابًا قَبْلَ فَرْشِ الْحُرُوفِ.
وَسَمِعَ حُرُوفَ السَّبْعَةِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ، وَتَصَدَّرَ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ لِلْإِقْرَاءِ، لَكِنْ لَمْ يَبْلُغْنَا ذِكْرٌ مِنْ قَرَأَ عَلَيْهِ.
(١) انظر السير: ١٦/٤٤٩-٤٦١
1186
قال أبو بكر الخطيب: كان الدَّارَقُطْنِيُّ فَرِيدَ عَصْرِهِ، وَقَرِيعَ دَهْرِهِ، وَنَسِيحَ وَحْدِهِ، وإِمَامَ وَقْتِهِ، انتهى إليه علوُّ الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال، مع الصدق والثقة، وصحة الاعتقاد، والاضطلاع من علوم، سوى الحديث، منها القراءات فإنه له فيها كتاب مختصر، جمع الأصول في أبواب عقدها في أول الكتاب، وسمعت بعض من يعتني بالقراءات يقول: لم يُسبق أبو الحسن إلى طريقته في هذا، وصار القراء بعده يسلكون ذلك.
[١] قال الخطيب: حدثنا الأزهري قال: بلغني أن الدَّارَقُطْنِيُّ حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار، فجعل ينسخ جزءاً كان معه وإسماعيل يُملي، فقال رجل: لا يصح سماعك وأنت تنسخ فقال الدارقطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك، كم تحفظ أملى الشيخ؟ فقال: لا أحفظ، فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثاً الأول عن فلان عن فلان، ومثله كذا وكذا، والحديث الثاني عن فلان عن فلان، ومثله كذا وكذا، ومُر في ذلك حتى أتى على الأحاديث، فتعجب الناس منه.
[٢] قال رجاء بن محمد المعدل: قلت للدارقطني: رأيت مثل نفسك؟ فقال: قال الله: ﴿فَلَا تَرْكُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فالححت عليه فقال: لم أر أحداً جمع ما جمعت، وقال أبو ذر: قلت لأبي عبدالله الحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني؟ فقال: هو ما رأى مثل نفسه، فكيف أنا؟
[٣] قال أبو الحسن العتيقي: حضرت أبا الحسن، وجاءه أبو الحسين البيضاوي بغريب ليقرأ له شيئاً فامتنع واعتل ببعض العلل. فقال: هذا غريب، وسأله أن يُملي عليه أحاديث، فأملى عليه أبو الحسن من حفظه مجلساً تزيد أحاديثه على العشرين. متن جميعها: «نعم الشيء الهدية أمام الحاجة»(١)، قال: فانصرف الرجل، ثم جاءه بعد، وقد أهدى له شيئاً، فقربه وأملى عليه من حفظه سبعة عشر
(١) خبر باطل
1187
حديثاً، متونٌ جميعها: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمٌ قَوْمٌ فَأَكْرِمُوهُ».
قلت: هذه حكاية صحيحة، رواها الخطيب عن العتيقي، وهي دالة على سعة
حفظ هذا الإمام، وعلى أنه لوح بطلب شيء، وهذا مذهب لبعض العلماء، ولعل
الدارقطني كان إذ ذاك محتاجاً، وكان يقبل جوائز دُعْلَج السجزي وطائفة، وكذا
وَصَلَّه الوزير ابن حِزَابَةَ بجملة من الذهب لما خرج له المسند.
توفي سنة خمس وثمانين وثلاث مئة.
[١] أبو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا، قال: رأيت كأني أسأل عن حال الدارقطني
في الآخرة، فقيل لي: ذاك يُدعى في الجنة: الإمام.
[٢] وقال الدارقطني: اختلف قوم من أهل بغداد، فقال قوم: عثمان أفضل، وقال
قوم: علي أفضل، فتحاكموا إلي، فأمسكت وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني
السكوت، وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم، وقل لهم: أبو الحسن يقول:
عثمان أفضل من علي باتفاق جماعة أصحاب رسول الله ﷺ، هذا قول أهل السنة
وهو أول عقد يحل في الرفض.
[٣] قلت: ليس تفضيل علي برفض ولا هو بدعة، بل قد ذهب إليه خلق من
الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعلي ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقابلان
في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة
الشهداء رضي الله عنهما ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي،
وإليه نذهب والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما لاشك أبو بكر وعمر من
خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو
رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة،
أبعدهم الله.
1188
الأشراف بالذهب، فلما حمل تابوته من مصر تلقوه ودفن في تلك الدار. توفي سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة.
1191