نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٨٣٧ - مُحَمَّد بن طاهر (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٨٣٧ - مُحَمَّد بن طاهر (٢)
[١] ابن علي الإمام الحافظ، الجوال الرحال، ذو التصانيف أبو الفضل بن أبي الحسين بن القيسراني، المقدسي الأثري، الظاهري الصوفي. وُلِدَ ببيت المقدس سنة ثمان وأربع مئة.
وكتب مالا يُوصَفُ كثرة بخطه السريع، القوي الرفيع، وصنَّف وجمع وبرع في هذا الشأن، وعُيِّبَ به أتم عناية، وغيره أكثر إتقاناً وتحرياً منه.
[٢] قال أبو مسعود عبد الرحيم الحاجي: سمعت ابن طاهر يقول: بُلْتُ الدَّم في طلب الحديث مرتين، مرة ببغداد، وأخرى بمكة، كنت أمشي حافياً في الحر، فلحقني ذلك، وما ركبت دابة قط في طلب الحديث وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألت في حال الطلب أحداً، كنت أعيش على ما يأتي.
[٣] وقيل: كان يمشي دائماً في اليوم والليلة عشرين فرسخاً، وكان قادراً على ذلك،
(٢) انظر السير: ١٩ / ٣٦١-٣٧١.
1360
[١] وقد ذكره الدقاق في رسالته، فحط عليه، فقال: كان صوفياً ملامتياً، سكن الري، ثم همدان، له كتاب «صفوة التصوف» وله أدنى معرفة بالحديث في باب شيوخ البخاري ومسلم وغيرهما.
قلت: يا ذا الرجل، أقصر، فابن طاهر أحفظ منك بكثير.
[٢] ثم قال: وذكر لي عنه الإباحة.
قلت: ما تعني بالإباحة؟ إن أردت بها الإباحة المطلقة، فحاشا ابن طاهر، هو - والله - مسلم أثري، معظم لحرمات الدين، وإن أخطأ أو شد، وإن عنيت إباحة خاصة، كإباحة السماع، وإباحة النظر إلى المرد فهذه معصية، وقول للظاهرية بإباحتها مرجوح.
قال أبو سعد السمعاني: سألت إسماعيل بن محمد الحافظ عن ابن طاهر، فتوقف، ثم أساء الثناء عليه، وسمعت أبا القاسم بن عساكر يقول: جمع ابن طاهر أطراف «الصحيحين» وأبي داود، وأبي عيسى والنسائي وابن ماجه، فأخطأ في مواضع خطأ فاحشاً.
[٣] وقال ابن ناصر: كان لحنة ويصحف، قرأ مرة: وإن جبينه ليتفصد (١) عرقاً - بالقاف - فقلت: بالفاء، فكابرني.
[٤] وقال السلفي: كان فاضلاً يعرف، لكنه لحنة، قال لي المؤتمن الساجي: كان يقرأ، ويلحن عند شيخ الإسلام بهرة، فكان الشيخ يحرك رأسه، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
[٥] قال ابن طاهر: كنت يوماً أقرأ على أبي إسحاق الحبال جزءاً فجاءني رجل من أهل بلدي، وأسر إلي كلاماً قال فيه: إن أخاك قد وصل من الشام، وذلك بعد دخول الترك بيت المقدس، وقتل الناس بها، فأخذت في القراءة،
(١) أي: يسيل من التفصد وهو السيلان، وهو قطعة من حديث.
1361
فاختلطت علي السطور، ولم يُمكني أقرأ، فقال أبو إسحاق: مالك؟ قلت: خير، قال: لا بُدَّ أن تُخبرني، فأخبرته، فقال: وكم لك لم تر أخاك؟ قلت: سنين، قال: ولم لا تذهب إليه؟ قلت: حتى أتمَّ الجزء، قال: ما أعظم حرصكم يا أهل الحديث، قد تمَّ المجلس، وصلى الله على محمد، وانصرف. [١] وأقمت بتنيس مدة على أبي محمد بن الحداد ونظرائه، فضاق بي فلم يبق معي غير درهم، وكنت أحتاج إلى حبر وكاغد، فترددت في صرفه في الحبر أو الكاغد أو الخبز، ومضى على هذا ثلاثة أيام لم أطعم فيها فلما كان بكرة اليوم الرابع، قلت في نفسي: لو كان لي اليوم كاغد لم يُمكني أن أكتب من الجوع، فجعلت الدرهم في فمي. وخرجت لأشتري خبزاً، فبلعته، ووقع علي الضحك، فلقيني صديق وأنا أضحك، فقال: ما أضحكك؟ قلت: خير، فالح علي، وأبيت أن أخبره، فحلف بالطلاق لتصدقني، فأخبرته، فأدخلني منزله، وتكلف أطعمة، فلما خرجنا لصلاة الظهر، اجتمع به بعض وكلاء عامل تنيس ابن قادوس، فسأله عني فقال: هو هذا، قال: إن صاحبي منذ شهر أمر بي أن أوصل إليه كل يوم عشرة دراهم قيمتها ربع دينار، وسهوت عنه، فأخذ منه ثلاث مئة وجاء بها. مات ابن طاهر عند قدومه من الحج سنة سبع وخمس مئة.
1362