تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨٣٨ - المستظهر بالله (١)

الصفحات 1362–1367 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 7 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٨٣٨ - المستظهر بالله (١)

[٢] الإمام أمير المؤمنين، أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبدالله بن الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله عبدالله بن القادر الهاشمي العباسي البغدادي.

مولده سنة سبعين ومائة، واستخلف عند وفاة أبيه وله ست عشرة سنة. قال ابن النجار: كان موصوفاً بالسخاء والجود، ومحبة العلماء وأهل الدين،

(١) انظر السير: ١٩ / ٣٩٦-٤١٢.

1362

والتفقد للمساكين، مع الفضل والنبل والبلاغة، وعلو الهمة، وحسن السيرة، وكان رضي الأفعال، سديد الأقوال.

قال السلفي: قال لي أبو الخطاب ابن الجراح: صليت بالمستظهر في رمضان، فقرأت ﴿إِنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ﴾ (يوسف: ٨١) رواية رويناها عن الكسائي، فلما سلمت، قال: هذه قراءة حسنة، فيه تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب.

قلت: كيف بقولهم: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾، ﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾؟!

[١] أبو سعد بن أبي عمامة قال: كنت ليلة جالساً في بيتي، وقد نام الناس، فذق الباب، فإذا بفراش وخادم معه شمعة، فقال: بسم الله فأدخلت على المستظهر، وعليه أثر غم، فأخذت في الحكايات والمواعظ وتصغير الدنيا وهو لا يتغير، وأخذت في حكايات الكرام وغير ذلك، فقلت: هذا لا ينام، ولا يدعني أنام، فقلت: يا أمير المؤمنين، لي مسألة قال: قل، قلت: ولا تكتمني؟ قال: لا، قلت: بالله حل عليك نقدة للبائع، أو انكسر زورقك، أو وقعوا على قافلة لك، وضاق وقتك؟ عندي طبق خلاف أنا أقرضه لك، وتبقى بارزياً في الدروب وما يخلي الله من رزق، فهذا هم عظيم، وقد مرستني الليلة، فضحك حتى استلقى، وقال: قم، فعل الله بك وصنع فقمت، وتبعني الخادم بدنانير وتخت ثياب.

قال أبو طالب بن عبد السميع: كان من ألفاظ المستظهر:

[٢] خير ذخائر المرء لدنياه ذكر جميل، ولأخرته ثواب جزيل.

[٣] شح المرء بقلبه من دناءة نفسه.

[٤] الصبر على الشدائد ينتج الفوائد.

[٥] أدب السائل أنفع من الوسائل.

1363

بِضَاعَةِ الْعَاقِلِ لَا تَخْسَرُ، وَرَبْحُهَا يَظْهَرُ فِي الْمَحْشَرِ.

وَلَهُ نَظْمٌ حَسَنٌ.

تُوُفِّيَ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسَ مِئَةٍ، وَبَلَغَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ لِيِّنَ الْجَانِبِ، كَرِيمَ الْخَلَائِقِ مَشْكُورَ الْمَسَاعِي، إِذَا سُئِلَ مَكْرَمَةٌ، أَجَابَ إِلَيْهَا، وَإِذَا ذُكِّرَ بِمَثْوِيَّةٍ تَشُوفُ نَحْوَهَا.

وَقِيلَ: إِنَّهُ أَنْشَدَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ، وَبَكَى:

يَا كَوْكَبًا مَا كَانَ أَقْصَرَ عُمْرَهُ وَكَذَلِكَ عُمْرُ كَوَاكِبِ الْأَسْحَارِ

[١] وَفِي سَنَةٍ تَسَعُ كَانَ أَوَّلُ ظُهُورِ الْفِرَنْجِ بِالشَّامِ قَدِمُوا فِي بَحْرِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَانْزِعَجَتِ الْمُلُوكُ، وَعَظُمَ الْخُطَبُ، لَا سِيَّمَا ابْنُ قُتَيْمِشَ صَاحِبُ الرُّومِ، فَالْتَقَاهُمْ، فَطَحَنُوهُ.

[٢] وَأَمَّا ابْنُ الْأَثِيرِ، فَقَالَ: ابْتِدَاءُ دَوْلَتِهِمْ فِي سَنَةٍ (٤٧٨)، فَأَخَذُوا طُلَيْطَلَةَ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ صَقْلِيَّةً، وَأَخَذُوا بَعْضَ إِفْرِيقِيَّةٍ، وَجَمَعَ مَلَكُهُمْ بِغَدْوَيْنِ جَمْعًا، وَبَعَثَ يَقُولُ لِرُجَّارِ صَاحِبِ صَقْلِيَّةٍ: أَنَا وَاصِلُ إِلَيْكَ لِنَفْتَحَ أَفْرِيقِيَّةً. فَبَعَثَ يَقُولُ: الْأُولَى فَتْحُ الْقُدُسِ، فَقَصَدُوا الشَّامَ.

[٣] وَقِيلَ: إِنَّ صَاحِبَ مِصْرَ لَمَّا رَأَى قُوَّةَ آلِ سَلْجُوقٍ وَاسْتِيلَاءَهُمْ عَلَى الْمَمَالِكِ كَاتِبِ الْفِرَنْجِ.

[٤] فَمَرُّوا بِسَبْسٍ، وَنَازَلُوا أَنْطَاكِيَّةً، فَخَافَ صَاحِبُهَا يَاغِي بَسَّانٍ، فَأَخْرَجَ النَّصَارَى إِلَى الْخَنْدَقِ وَحَبَسَهُمْ بِهِ، فَدَامَ حِصَارُهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفَنِيَ الْفِرَنْجُ قَتْلًا وَمَوْتًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَامَلُوا الزَّرَّادَ الْمُقَدَّمَ، وَبَذَلُوا لَهُ مَالًا، فَكَاشَرَ لَهُمْ عَنْ بَدَنِهِ، (١) فَفَتَحُوا شُبَّاكًا، وَطَلَعُوا مِنْهُ خَمْسَ مِئَةٍ فِي اللَّيْلِ، فَفَتَحَ يَاغِي بَسَّانٍ، وَهَرَبَ، وَاسْتُبِيحَ

(١) فِي كَامِلِ ابْنِ الْأَثِيرِ: ١٠/٢٧٤: فَلَمَّا طَالَ مَقَامُ الْفِرَنْجِ عَلَى أَنْطَاكِيَّةٍ رَاسَلُوا أَحَدَ الْمُسْتَحْفِظِينَ لِلْأَبْرَاجِ، وَهُوَ زَرَادٌ يَعْرِفُ بِرُوزَيْهِ، وَبَذَلُوا لَهُ مَالًا وَأَقْطَاعًا، وَكَانَ يَتَوَلَّى حِفْظَ بَرَجِ بَلِي الْوَادِي، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى شَبَاكٍ فِي الْوَادِي، فَلَمَّا تَقَرَّرَ الْأَمْرَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَذَا الْمَلْعُونِ الزَّرَّادِ، جَاءُوا إِلَى الشَّبَاكِ فَفَتَحُوهُ.

1364

البلد - فإن الله - في سنة إحدى وتسعين وسقطت قوة ياغي بسان أسفاً، وانهزم غلمانه، فذبحه حطاب أرمني. ثم أخذوا المعرة، فقتلوا وسبوا، وتجمعت عساكر الموصل وغيرها فالتقوا، فانهزم المسلمون واستشهد ألوف وصالحهم صاحب حمص، وأقبل ابن أمير الجيوش، فأخذ القدس من ابن أرثق، وانتشرت الباطنية بأصبهان وتمت حروب مزعجة بين ملوك العجم، وأخذت الفرنج بيت المقدس، نصبوا عليه أربعين منجنيقاً، وهدوا سورة وجدوا في الحصار شهراً ونصفاً، ثم ملكوه من شماله سنة اثنين وتسعين، وقتلوا به نحواً من سبعين ألفاً. [١] والتقى السلطان محمد بن ملكشاه وأخوه بركيا روق مرات، وغلت الأقطار بالباطنية، وطاغوتهم الحسن بن الصباح المروزي الكاتب، كان داعية لبني عبيد، وتعانوا شغل السكين، وقتلوا غيلة عدة من العلماء والأمراء وأخذوا القلاع، وحاربوا، وقطعوا الطرق، وظهروا أيضاً بالشام، والتف عليهم كل شيطان ومارق، وكل ماكر ومتحيل.

[٢] قال الغزالي في «سر العالمين»: شاهدت قصة الحسن بن الصباح لما تزهد تحت حصن الألومت، فكان أهل الحصن يتمنون صعوده، ويتمنع ويقول: أما ترون المنكر كيف فشا، وفسد الناس، فصباً إليه خلق وذهب أمير الحصن يتصيد، فوثب على الحصن فتملكه، وبعث إلى الأمير من قتله، وكثرت قلاعهم، واشتغل عنهم أولاد ملكشاه باختلافهم.

[٣] ولابن الباقلاني، والغزالي، وعبدالجبار المعتزلي كتب في فضائح هؤلاء. [٤] قال ابن الأثير: وفي سنة (٤٩٤) أمر السلطان بركيا روق بقتل الباطنية، وهم الإسماعيلية، وهم الذين كانوا قديماً يسمون القرامطة.

[٥] قال: وتجرد بأصبهان للانتقام منهم الخجندي، (١) وجمع الجم الغفير

(١) هو أبوالقاسم مسعود بن محمد الخجندي الفقيه الشافعي.

1365

بالأسلحة، وأمر بحفر أخاديد أوقدت وفيها النيران، وجعلوا يأتون بهم ويلقونهم في النار إلى أن قتلوا منهم خلقاً كثيراً.

[١] وصارت الأمراء يلازمون لبس الدروع تحت الثياب خوفاً من فتك هؤلاء الملاحدة، وركب السلطان بركياً روق في تطلبهم، ودوخهم، حتى قتل جماعة براء، سعى بهم الأعداء، ودخل في ذلك أهل عانة، واتهم إلكيا الهراسي بأنه منهم، وحاشاه، فأمر السلطان محمد بن ملكشاه بأن يؤخذ حتى شهدوا له بالخير، فأطلق.

[٢] وفي سنة (٤٩٥) كانت حروب بين الأخوين بركياً روق ومحمد، وبلاء وحصار، ونازلت الفرنج طرابلس، فسار للكشف عنها جند دمشق وحمص، فانكسروا، ثم التقى العسكر، وبغدوين، فهزموه، وقل من نجا من أبطاله، وظفر ثلاثة من الباطنية على جناح الدولة صاحب حمص، فقتلوه في الجامع، فنازلتها الفرنج، فصولحوا على مال، وتسلمها شمس الملوك، وقتلت الباطنية الأعز، وزير بركياً روق.

[٣] وفي سنة ست وتسعين سار شمس الملوك، فحاصر الرحبة وأخذها، وجاء عسكر مصر، فالتقوا الفرنج بيافا، وخُذلت الفرنج، وتصلح بركياً روق وأخوه، وملوا من الحرب، وتحالفوا، وطال حصار الفرنج لطرابلس، وأخذوا جبيل، وأخذوا عكا، ونازلوا حران، فجاء العسكر، ووقع المصاف، ونزل النصر، وأبيدت الملاعين، وبلغت قتلاهم اثني عشر ألفاً. ومات شمس الملوك دقاق، وتملك ولده بدمشق وأتابكه طغتكين.

[٤] وفي سنة (٤٩٦) كبس الأتابك طغتكين الفرنج بالأردن، فقتل وأسر وزينت دمشق وأخذ من الفرنج حصنين.

وفي سنة إحدى وخمس مئة مات صاحب الحلة سيف الدولة صدقة بن

1366

منصور بن دُبَيْس الأسدي مَلِك العرب الذي أنشأ الحِلَّة على الرفض، قُتِل في

وقعة بينه وبين السلطان محمد بن مَلِكْشَاه.

[١] وفيها سار طُغْتِكِين في جُنْد دمشق، فهزم الفِرَنْج، وأسر صاحب طَبْرِيَّة

جرماس، وحاصر بغدوين الكلب صُور، وبنى بإزائها حصناً، ثم بذل له أهلها

سبعة آلاف دينار، فترحل عنهم.

[٢] وفي سنة اثنتين سار طُغْتِكِين في ألفين، فالتقى الفِرَنْج، فانهزم جمعه،

وثبت هو، ثم تراجعوا إليه، ونُصِرُوا، وأسروا قوماً، بذل في نفسه جُملة، فأبى

طُغْتِكِين وذبحه، ثم هادن بغدوين أربعة أعوام.

[٣] وفي سنة ثلاث أخذت طرابلس في آخر السنة بعد حصار ست سنين أخذوها

بأبراج خشب صُنِعَت وألصِقَت بسورها، وأخذوا بانياس، وجبيل بالأمان ثم

طرسُوس، وحصن الأكراد.

[٤] وفي سنة خمس تناحَب (١) عساكر العراق والجزيرة، وأقبلوا لغزو الفِرَنْج،

وعدوا الفُرَات، فقل ما نفعوا، ثم رجعوا والأعداء تجول في الشام.

[٥] وفي أول سنة سبع أقبل عسكر الجزيرة نجدة لطُغْتِكِين، فالتقوا الفِرَنْج

بالأردن، وصبر الفريقان، ثم استحر القتل بالفِرَنْج، وأسر طاغيتهم بغدوين،

لكن أساء الذي أسره، فشلحه، وأطلقه جريحا، ثم تراجع العدو، وجاءتهم

نجدة، فعملوا المصاف من الغد، وحمي القتال وطاب الموت، وتحصن

الكلاب بجبل، فرابط الجيش بإزائهم يترامون بالنشاب ويقتلون، فدام ذلك

كذلك ستة وعشرين صباحاً حتى عُدِمَت الأقوات وتحاجز الجمعان.

[٦] وفيها وثب باطني بجامع دمشق على صاحب الموصل مودود بن ألتوتكين

فقتله، وأحرق الباطني.

(١) يقال: تناحب القوم: إذا تواعدوا للقتال أي وقت.

1367

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080