نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
١٢٠ - عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
١٢٠ - عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (ع) (١)
[٢] ابن وائل الإمام أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد السهمي. [٣] داهية قريش ورجل العالم، ومن يضرب به المثل في الفطنة والدهاء والحزم. [٤] هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً في أوائل سنة ثمان، مرافقاً لخالد بن الوليد، وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة ففرح النبي صلى الله عليه وسلم، بقدومهم وإسلامهم، وأمر عمراً على بعض الجيش، وجهزه للغزو. قال البخاري: ولأه النبي صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل نزل
المدينة ثم سكن مصر، وبها مات.
(١) انظر السير: ٣/٥٤ - ٧٧.
220
[١] عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابنا العاص مؤمنان،
عَمْرُو وَهشام».
[٢] الثوري: عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي قال: عقد رسول الله
صلى الله عليه وسلم لواءً لعمرو على أبي بكر وعمر وسراة أصحابه. قال
الثوري: أراه قال: في غزوة ذات السلاسل.
[٣] قال محمد بن سلام الجمحي: كان عمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه،
قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.
[٤] روى موسى بن علي، عن أبيه، سمع عمراً يقول: لا أمل ثوبي ما وسعني،
ولا أمل زوجتي ما أحسنت عشرتى، ولا أمل دابتي ما حملتني، إن الملال من
سيء الأخلاق.
[٥] عن الشعبي قال: دهأة العرب أربعة: معاوية وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما
معاوية فللأنة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، والمغيرة للمبادهة، وأما زياد
فلصغير والكبير.
[٦] وقال أبو عمر بن عبد البر: كان عمرو من فرسان قريش وأبطالهم في
الجاهلية، مذكوراً بذلك فيهم، وكان شاعراً حسن الشعر، حفظ عنه منه الكثير
في مشاهد شتى.
وكان من رجال قريش رأياً، ودهاءً، وحزماً، وكفاءةً، وبصراً بالحروب، ومن
أشراف ملوك العرب، ومن أعيان المهاجرين، والله يغفر له ويعفو عنه، ولولا حبه
للدنيا ودخوله في أمور، لصلح للخلافة، فإن له سابقة ليست لمعاوية. وقد تأمر
على مثل أبي بكر وعمر، لبصره بالأمور ودهائه.
[٧] عن راشد مولى حبيب، عن حبيب بن أوس، قال: حدثني عمرو بن العاص
قال: لما انصرفنا من الخندق، جمعت رجالاً من قريش، فقلت: والله إن أمر
221
محمدٍ يَغْلُو عُلُوًّا مُنْكَرًا، والله ما يقوم له شيء، وقد رأيتُ رأياً، قالوا: وما هو؟ قلتُ: أن نَلْحَقَ بالنجاشي على حاميتنا، فإن ظَفِرَ قومنا، فنحنُ مَنْ قد عرفوا، نرجع إليهم، وإن يظهر محمد، فنكون تحت يدي النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد. قالوا: أصبت. قلت: فابتاعوا له هدايا، وكان من أعجب ما يُهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدمًا كثيرًا، وقدمنا عليه، فوافقنا عنده عمرو بن أمية الضمري قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في أمر جعفر وأصحابه، فلما رأيته قلت: لعلي أقتله. وأدخلت الهدايا، فقال: مرحبًا وأهلاً بصديقي وعجب بالهدية. فقلتُ: أيها الملك! إني رأيتُ رسول محمدٍ عندك وهو رجل قد وترنا، وقتل أشرافنا، فأعطيه أضرب عنقه، فغضب وضرب أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لي الأرض دخلت فيها وقلت: لو ظننت أنك تكره هذا لم أسألكه. فقال: سألتني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس (١) الذي كان يأتي موسى الأكبر تقتله؟! فقلتُ: وإن ذلك لكذلك؟ قال: نعم. والله إني لك ناصح فأتبعه، فوالله ليظهرن كما ظهر موسى وجنوده، قلت: أيها الملك، فبايعني أنت له على الإسلام، فقال: نعم. فبسط يده، فبايعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، على الإسلام، وخرجت على أصحابي وقد حال رأي، فقالوا: ما وراءك؟ فقلت: خير، فلما أمسيتُ، جلستُ على راحلتي، وانطلقتُ، وتركتهم، فوالله إني لأهوي إذ لقيت خالد بن الوليد، فقلت: إلى أين يا أبا سليمان؟ قال: أذهب والله أسلم، إنه والله قد استقام الميسم، إن الرجل لنبي ما أشك فيه. فقلت: وأنا والله، فقدمنا المدينة، فقلتُ: يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم أذكر ما تأخر فقال لي: «يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله» (٢)
(١) الناموس: جبريل عليه السلام، وكذا يسميه أهل الكتاب، وفي حديث ورقة لخديجة رضي الله عنهما، إن كان ما تقولين حقاً، فإنه ليأتيه الناموس الذي كان يأتي موسى عليه السلام. (٢) رجاله ثقات خلا راشد مولى حبيب، فلم يوفقه غير ابن حبان وأخرجه من طريق ابن اسحاق بنحوه ابن =
222
[١] مشرح، سمعتُ عقبة، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص».
[٢] موسى بن علي، عن أبيه، سمع عمراً يقول: بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وَسِلَاحَكَ، ثم اثنتي» فأتيته وهو يتوضأ، فصعد في البصر، وصوبه، فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش، فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك رغبة صالحة من المال» قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، ولأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال يا عمرو: «نعمًا بالمال الصالح للرجل الصالح».
[٣] عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمراً كان على سرية فأصابهم برد شديد لم يروا مثله، فخرج لصلاة الصبح، فقال: احتلمت البارحة، ولكني والله ما رأيت برداً مثل هذا، فغسل معابنه وتوضأ للصلاة، ثم صلى بهم. فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه: «كيف وجدتم عمراً وصحابته؟» فأثنوا عليه خيراً، وقالوا: يا رسول الله، صلى بنا وهو جنب، فأرسل إلى عمرو، فسأله، فأخبره بذلك وبالذي لقي من البرد، وقال: إن الله قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾
[النساء: ٢٩]. ولو اغتسلت مت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان عمرو على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[٤] وشهد عمرو يوم اليرموك، وأبلى يومئذ بلاءً حسناً، وقيل: بعثه أبو عبيدة، فصالح أهل حلب وأنطاكية، وافتتح سائر قنسرين عنوة.
= هشام في «السيرة»: ٢/٢٧٦، ٢٧/٢٧، وأحمد في «المسند»: ٤/١٩٨، ١٩٩، وهو في تاريخ ابن عساكر، ومغازي الواقدي.
(١) المغابن: الأرفاع وهو بواطن الأفخاذ عند الحوالب جمع مغبن من غبن الثوب: إذا ثناه وعطفه.
223
وقال خليفة: ولَّى عُمُرَ عَمْرًا فلسطين والأردن، ثم كتب إليه عُمُر، فسار إلى مصر، وافتتحها، وبعث عُمُرُ الزُّبَيْرَ مدداً له. وقال ابنُ لَهيعة: فتح عمرو بن العاص الإسكندرية سنة إحدى وعشرين، ثم انتقضوا في سنة خمس وعشرين.
[١] وقال خليفة: افتتح عمرو طرابلس الغرب سنة أربع وعشرين. قال عمرو بن العاص: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية فقال عظيم منهم: أخرجوا إلي رجلاً أكلمه ويكلمني. فقلت: لا يخرج إليه غيري، فخرجت معي ترجماني، ومعه ترجمان، حتى وضع لنا منبران فقال: ما أنتم؟ قلت: نحن العرب، ومن أهل الشوك والقرظ، ونحن أهل بيت الله، كنا أضيق الناس أرضاً وشرّه عيشاً، نأكل الميتة والدم ويغير بعضنا على بعض، كنا بشر عيش عاش به الناس، حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفاً ولا أكثرنا مالاً، قال: أنا رسول الله إليكم يأمرنا بما لا نعرف، وينهانا عما كنا عليه، فشنفنا له، وكذبناه ورددنا عليه، حتى خرج إليه قوم من غيرنا، فقالوا: نحن نصدقك ونقاتل من قاتلك، فخرج إليهم، وخرجنا إليه، وقاتلناه، فظهر علينا، وقاتل من يليه من العرب، فظهر عليهم، فلو تعلم ما ورائي من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم، فضحك، ثم قال: إن رسولكم قد صدق وقد جاءتنا رسل بمثل ذلك، وكنا عليه حتى ظهرت فينا ملوك، فعملوا فينا بأهوائهم، وتركوا أمر الأنبياء، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم، لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه، وإذا فعلتم مثل الذي فعلنا، فتركتم أمر نبيكم، لم تكونوا أكثر عدداً منا ولا أشد منا قوة.
[٢] قال ابن عيينة: قال عمرو بن العاص: ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن هو الذي يعرف خير الشرين.
224
[١] عن عَوَانَةَ بن الحكم، قال: قال عمرو بن العاص، عجباً لمن نزل به الموت، وعقله معه كيف لا يصفه؟ فلما نزل به الموت، ذكره ابنه بقوله، وقال: صِفْهُ. قال: يا بُني! الموت أجل من أن يُوصف، ولكني سأصف لك، أجدني كأن جبال رضوى على عُنُقِي، وكان في جوفي الشوك، وأجدني كأن نفسي يخرج من إبرة.
[٢] أبو نوفل بن أبي عقرب قال: جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعاً شديداً، فقال ابنه عبدالله: ما هذا الجزع، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدنيك ويستعملك! قال: أي بُني! قد كان ذلك، وسأخبرك، أي والله ما أدري أحباً كان أم تألفاً، ولكن أشهد على رجلين أنه فارق الدنيا وهو يُحِبُّهما ابن سُميَّة، وابن أم عبد فلما جَدَّ به، وضع يده موضع الأغلال من ذقنه، وقال اللهم أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك، فكانت تلك هجيرة حتى مات.
عاش بعد عمر عشرين عاماً. عُمُرُه بضع وثمانون سنة. [٣] وخُلِّف أموالاً كثيرة، وعبيداً، وعقاراً، يقال: خُلِّف من الذهب سبعين رقبة جمل مملوءة ذهباً.
225