نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
١٢١- عبدالله بن عمرو بن العاص (ع) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
١٢١- عبدالله بن عمرو بن العاص (ع) (١)
[٤] الإمام الحَبْر العابد، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن صاحبه، أبو محمد.
[٥] وليس أبوه أكبر منه إلا بإحدى عشرة سنة أو نحوها. وقد أسلم قبل أبيه فيما بلغنا، ويقال: كان اسمه العاص فلما أسلم غيره
(١) انظر السير: ٣/٧٩ - ٩٤.
225
النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله.
[١] وله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل، حمل عن النبي صلى الله
عليه وسلم علماً جمّاً.
[٢] وكتب الكثير بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، وترخيصه له في الكتابة بعد
كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن وسوغ ذلك صلى الله عليه وسلم.
ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة رضي الله عنهم على الجواز
والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة.
والظاهر أن النهي كان أولاً لتتوفر همهم على القرآن وحده، وليمتاز القرآن
بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس،
ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس أذن في كتابة العلم، والله أعلم.
[٣] وقد روى عبدالله عن أهل الكتاب، وأدمن النظر في كتبهم واعتنى بذلك.
عن العُربان بن الهيثم، قال: وفدت مع أبي إلى يزيد، فجاء رجل طوال،
أحمر عظيم البطن، فجلس، فقلت: من هذا؟ قيل: عبدالله بن عمرو.
[٤] عن عبدالله بن عمرو، قال: جمعت القرآن، فقرائه كله في ليلة، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم «اقرأه في شهر». قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع
من قوتي وشبابي، قال: «اقرأه في عشرين» قلت: دعني أستمتع، قال: «اقرأه
في سبع ليال». قلت: دعني يارسول الله أستمتع. قال: فأبى.
وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نازله إلى ثلاث ليال، ونهاه أن يقرأه
في أقل من ثلاث وهذا كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل
ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من
ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلى في أقل من ذلك، ولو تلا ورتل في أسبوع،
ولازم ذلك، لكان عملاً فاضلاً، فالدين يسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في
226
تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة والقول عند النوم واليقظة، ودُبُر المكتوبة والسحر، مع النَّظَر في العلم النافع والاشتغال به مُخلصاً لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة dالدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم والتواضع والإخلاص في جميع ذلك، لشُغْل عظيمٌ جسيم، ولَمَقَامُ أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تَشَاغَلَ العابدُ بختمةٍ في كُلِّ يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدبّر ما يتلوه.
هذا السيد العابدُ الصاحبُ كان يقول لما شاخ: ليتني قبلتُ رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال عليه السلام في الصوم، وما زال يناقضه حتى قال له: «صُمْ يوماً وأفطر يوماً، صَوْمَ أخي داود عليه السلام». وكل من لم يزم نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال صلى الله عليه وسلم معلماً للأمة أفضل الأعمال، وأمراً بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور والعابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة.
[١] عن وهب بن منبه، عن أخيه همام، سمع أبا هريرة يقول: لم يكن أحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله
227
ابن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
[١] عن أبي عبد الرحمن الحُبَلي، سمعتُ عبد الله بن عمرو يقول: لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة، أحب إلي من أن أكون عاشر عشرة أغنياء، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا، يقول: يتصدق يميناً وشمالاً.
[٢] عن عبد الله بن عمرو قال: زوَّجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي، جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، فجاء أبي إلى كتته، فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير رجل من رجل لم يفتش لها كنفاً، ولم يقرب لها فراشاً، قال: فأقبل علي، وعضني بلسانه، ثم قال: أنكحتك امرأة ذات حسب، فعضلتها وفعلت، ثم انطلق، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فطلبني، فأتيته، فقال لي: «أتصوم النهار وتقوم الليل»؟ قلت: نعم، قال: «لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).
[٣] قلت: ورث عبد الله من أبيه قناطير مقنطرة من الذهب المصري فكان من ملوك الصحابة.
[٤] قال أبو عبيد: كان على ميمنة جيش معاوية يوم صفين.. عن حنظلة بن خويلد العنبري، قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار رضي الله عنه، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقال معاوية: يا عمرو! ألا تغني عنا مجنونك، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى
(١) الكنة: زوج الولد، وقولها: «لم يفتش لها كنفاً»: الكنف: الجانب أرادت أنه لم يقربها.
228
الله عليه وسلم فقال: «أطع أباك ما دام حياً» فأنا معكم، ولست أقاتل. تُوفِّيَ عَبْدُ الله بن عمرو بمصر، ودُفِنَ بداره الصغيرة سنة خمس وستين.
229