نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦١٣ السَّرَّاج (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦١٣ السَّرَّاج (٢)
[٥] محمد بن إسحاق بن إبراهيم، الإمام الحافظ الثقة شيخ الإسلام، محدث خراسان، النيسابوري، صاحب المسند الكبير على الأبواب والتاريخ وغير ذلك، وأخو إبراهيم المحدث وإسماعيل. مولده في سنة ست عشرة ومئتين. وسكن بغداد مدة طويلة، وحدث بها، ثم رد إلى وطنه. قال الخطيب: كان من الثقات الأثبات، عني بالحديث، وصنف كتباً كثيرة.
(٢) انظر السير: ١٤/٣٨٨-٣٩٨.
1050
[١] قال أبو الوليد حَسَّانُ بن محمد: دخل أبو العباس السَّراجُ على أبي عمرو الخفاف فقال له: يا أبا العباس! من أين جمعت هذا المال؟ قال: بغية دهر أنا وأخواتي إبراهيم وإسماعيل، غاب أخي إبراهيم أربعين سنة، وغاب أخي إسماعيل أربعين سنة، وغبت أنا مقيماً ببغداد أربعين سنة، أكلنا الجشب(١)، ولبسنا الخشن، فاجتمع هذا المال، لكن أنت يا أبا عمرو! من أين جمعت هذا المال؟ وكان لأبي عمرو مال عظيم ثم قال متمثلاً:
أَتَذَكَّرُ إِذْ لِحَافِكَ جَلْدُ شَاةٍ وَإِذْ نَعْلَكَ مِنْ جَلْدِ الْبَعِيرِ فَسُبْحَانَ الَّذِي أَعْطَاكَ مُلْكًا وَعَلَّمَكَ الْجُلُوسَ عَلَى السَّرِيرِ(٢) [٢] قال أبو العباس بن حمدان شيخ خوارزم: سمعت السَّراج يقول: رأيت في المنام كَأَنِّي أَرْقَى فِي سَلْمٍ طَوِيلٍ، فصعدت تسعاً وتسعين درجة فكل من أقصها عليه يقول: تعيش تسعاً وتسعين سنة. قال ابن حمدان: فكان كذلك.
قلت: بل بلغ سبعاً أو خمساً وتسعين سنة، فقد قال أبو إسحاق المزكي عنه: ولدت سنة ثماني عشرة ومئتين، وختمت عن رسول الله ﷺ اثني عشر ألف ختمة، وضحيت عنه اثني عشر ألف أضحية.
قلت: دليله حديث شريك، عن أبي الحسناء، عن الحكم، عن حنش قال: رأيت علياً رضي الله عنه يُضحي بكبشين، فقلت له: ما هذا؟ قال: «أوصاني رسول الله ﷺ أن أضحي عنه»(٣). زاد الترمذي: واحد عن النبي ﷺ، وواحد عن نفسه. [٣] بلغنا أنه قيل لأبي العباس السَّراج، وهو يكتب في كهولته عن يحيى بن أبي طالب: إلى كم هذا؟ فقال: أما علمت أن صاحب الحديث لا يصبر؟! وقال أبو إسحاق المزكي: كان السَّراجُ مُجَابَ الدعوة.
(١) طعام جشب ومجشوب، أي: غليظ خشن، وقيل: هو الذي لا آدم له.
(٢) البيتان مع سبعة أبيات آخر في «زهر الآداب» ٣/٢٦٣، في قصة جرت لمعن بن زائدة مع أعرابي.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٩٠) والترمذي (١٤٩٥) كلاهما في الأضاحي: باب الأضحية عن الميت، وأحمد: ١/١٠٧ و ١٤٩ و ١٥٠. وشريك - هو ابن عبدالله النخعي - سيء الحفظ. وأبو الحسناء: مجهول. وحنش - هو ابن المعتمر - مختلف فيه.
1051
قال محمد بن أحمد الدقّاق: رأيت السراج يضحي كل أسبوع أو أسبوعين أضحية عن رسول الله ﷺ، ثم يصيح بأصحاب الحديث فيأكلون.
[١] قال إسماعيل بن نجيد: رأيت أبا العباس السراج يركب حماره وعباس المستملي بين يديه، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، يقول: يا عباس! غير كذا، اكسر كذا.
[٢] قال أبو الوليد حسان بن محمد: سمعت أبا العباس السراج يقول: وا أسفي على بغداد! فقيل له: ما حملك على فراقها؟ قال: أقام بها أخي إسماعيل خمسين سنة، فلما توفي ورفعت جنازته سمعت رجلاً على باب الدرب يقول لآخر: من هذا الميت؟ قال: غريب كان ها هنا. فقلت: إنا لله، بعد طول مقام أخي بها واشتهاره بالعلم والتجارة يقال له: غريب كان هنا. فحملتني هذه الكلمة على الانصراف إلى الوطن.
[٣] أحمد بن محمد الخفاف، حدثنا أبو العباس السراج إملاء قال: من لم يقر بأن الله تعالى يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: «من يسألني فأعطيه» فهو زنديق كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
قلت: لا يكفر إلا إن علم أن الرسول ﷺ قاله فإن جحد بعد ذلك فهذا معاند نسأل الله الهدى، وإن اعترف أن هذا حق، ولكن لا أخوض في معانيه، فقد أحسن، وإن آمن وأول ذلك كله، أو تأول بعضه، فهو طريقة معروفة. وقد كان السراج ذا ثروة وتجارة، وبر ومعروف، وله تعبد وتهجد إلا أنه كان منافرا للفقهاء أصحاب الرأي، والله يغفر له.
1052
الطبقة الثامنة عشرة
1053