نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٩٢٢ صاحب المغرب (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٩٢٢ صاحب المغرب (١)
[١] السلطان الكبير، الملقب بأمير المؤمنين المنصور، أبو يوسف، يعقوب ابن السلطان يوسف ابن السلطان عبدالمؤمن بن علي، المغربي، المراكشي، الظاهري، وأمه رومية اسمها سحر. عقدوا له بالأمر سنة ثمانين وخمس مئة عند مهلك أبيه، فكان سنه يومئذ ثنتين وثلاثين سنة. عمل الوزارة لأبيه، وخبر الخير والشر.
ولما تملك، كان حوله منافسون له من عمومته وإخوته، ثم تحول إلى سلا، وبها تمت بيعه، وأرضى آله بالعطاء، وبنى مدينة تلي مراكش على البحر، فما عتم أن خرج عليه علي بن غانية الملتئم، فأخذ بجاية، وخطب للناصر العباسي، فكان الخطيب بذلك عبدالحق مصنف «الأحكام»، ولولا حضور أجله، لأهلكه المنصور.
ثم تملك ابن غانية قلعة حماد، فسار المنصور، واسترد بجاية، وجهز جيشه، فالتقاهم ابن غانية فمزقهم، فسار المنصور بنفسه، فكسر ابن غانية، وذهب متخنا بالجراح، فمات في خيمة أعرابية، وقدم جيشه عليهم أخاه يحيى فانحاز بهم إلى الصحراء مع العرب، وجرت له حروب طويلة واسترد المنصور قفصة، وقتل في أهلها، فأسرف ثم قتل عمية سليمان وعمر صبرا، ثم ندم، وتزهد، وتقشف، وجالس الصلحاء والمحدثين، ومال إلى الظاهر، وأعرض عن المالكية، وأحرق مالا يحصى من كتب الفروع.
[٢] قال عبد الواحد بن علي: كنت بفاس، فشهدت الأحمال يؤتى بها، فتحرق،
(١) انظر السير: ٢١ / ٣١١-٣١٩.
1496
وتهدّد على الاشتغال بالفروع، وأمر الحفّاظ بجمع كتاب في الصلاة من (الكتب الخمسة)، و «الموطأ»، و «مسند ابن أبي شيبة»، و«مسند البزار»، و «سنن الدارقطني»، و «سنن البيهقي». كما جمع ابن تومرت في الطهارة. ثم كان يُملي ذلك بنفسه على كبار دولته، وحفظ ذلك خلق، فكان لمن يحفظه عطاء وخلعة. إلى أن قال: وكان قصده محو مذهب مالك من البلاد، وحمل الناس على الظاهر، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، فلم يظهراه، فأخبرني غير واحد أن ابن الجد أخبرهم قال: دخلت على أمير المؤمنين يوسف، فوجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال: أنا أنظر في هذه الآراء التي أحدثت في الدين، أرأيت المسألة فيها أقوال، ففي أيها الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له، فقطع كلامي، وقال: ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى «سنن» أبي داود، أو هذا، وأشار إلى السيف. قال يعقوب: يا معشر الموحدين، أنتم قبائل، فمن نابه أمر، فزع إلى قبيلته، وهؤلاء - يعني طلبة العلم - لا قبيل لهم إلا أنا، قال: فعظموا عند الموحدين. [١] وفي سنة خمس وثمانين غزا الفرنج، ثم رجع، فمرض، وتكلم أخوه أبو يحيى في الملك، فلما عوفي، قتله، وتهدد القرابة. [٢] وفي سنة تسعين انتقضت الهدنة، فتجهز، وعرض جيوشه بإشبيلية، وأنفق الأموال، فقصده الفئش فالتقوا، وكان نصراً عزيزاً، ما نجا الفئش إلا في شريذمة، واستشهد من الكبار جماعة، واستولى يعقوب على قلاع، ونازل طليطلة، ثم رجع، ثم غزا، ووغل، بحيث انتهى إلى أرض ما وصلت إليها الملوك، فطلب الفئش المهادنة، فعقدت عشراً، ثم رد السلطان إلى مراكش بعد سنتين، وصرح بقصد مصر. وكان يتولى الصلاة بنفسه أشهراً، فتعوق يوماً، ثم خرج، وهم ينتظرونه، فلامهم، وقال: قد قدم الصحابة عبد الرحمن بن عوف للعذر، ثم قرر إماماً
1497
عنه. وكان يجلسُ للحكم، حتى اختصم إليه اثنان في نصف (1)، فقضى، ثم
أدبهما، وقال: أما كان في البلد حكام.
وكان يجمع الأيتام في العام، فيأمر للصبي بدينار وثوب ورغيف ورمانة.
[1] وبنى مارستان ما أظن مثله، غرس فيه من جميع الأشجار، وزخرفه وأجرى
فيه المياه، ورتب له كل يوم ثلاثين ديناراً للأدوية، وكان يعود المرضى في
الجمعة.
وكان لا يقول بالعصمة في ابن تومرت.
وسأل فقيهاً: ما قرأت؟ قال: تواليف الإمام، قال: فزورني، وقال: ما كذا
يقول الطالب! حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت من السنة، ثم بعد
ذا قل ما شئت.
وكانت مجالسه مزينة بحضور العلماء والفضلاء، تفتتح بالتلاوة ثم
بالحديث، ثم يدعو هو، وكان يجيد حفظ القرآن، ويحفظ الحديث، ويتكلم
في الفقه، ويناظر، وينسبونه إلى مذهب الظاهر، وكان فصيحاً، مهيباً، حسن
الصورة، تام الخلقة، لا يرى منه اكفهرار، ولا عن مجالسه إعراض، بزي
الزُّهاد والعلماء، وعليه جلالة الملوك، صنف في العبادات، وله (فتاو)، وبلغني
أن السودان قدموا له فيلاً فوصلهم، ورده، وقال: لا نريد أن نكون أصحاب
الفيل، وكان يجمع الزكاة، ويُفرِّقها بنفسه، وعمل مكتباً للأيتام، فيه نحو ألف
صبي، وعشرة معلمون، حكى لي بعض عماله: أنه فرق في عيد نيفاً وسبعين
ألف شاة.
وقال عبد الواحد: كان متهتماً بالبناء، كل وقت يجدد قصراً أو مدينة، وأن
الذين أسلموا كرهاً أمرهم بلبس كحلي وأكمام مفرطة الطول، وكلوتات ضخمة
بشعة، ثم ألبسهم ابنه العمائم الصفر، حمل يعقوب على ذلك شكه في
(1) يعني في نصف درهم.
1498
إسلامهم، ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع المغرب كنيسة، وإنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام، ويصلون، ويقرئون أولادهم القرآن جارين على ملتنا.
وكان ابن رشد الحفيد قد هذب له كتاب «الحيوان»، وقال: الزرافة رأيتها عند ملك البربر، كذا قال غير مهتبل، فأحلقهم هذا، ثم سعى فيه من يناوئه عند يعقوب فأروه بخطه حاكياً عن الفلاسفة أن الزهرة أحد الآلهة، فطلبه، فقال: أهذا خطك؟ فأنكر، فقال: لعن الله من كتبه، وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أقامه مهاناً، وأحرق كتب الفلسفة سوى الطب والهندسة.
[١] وقد كتب صلاح الدين إلى يعقوب يستنجد به في حصار عكا، ونفذ إليه تقدمة، وخضع له، فما رضي لكونه ما لقبه بأمير المؤمنين.
[٢] وقيل: إن يعقوب أبطل الخمر في ممالكه، وتوعد عليها فعدمت، ثم قال لأبي جعفر الطبيب: ركب لنا ترياقاً، فأعوزه خمر، فأخبره بذلك، فقال: تلطف في تحصيله سراً، فحرص، فعجز. فقال الملك: ما كان لي بالترياق حاجة،
لكن أردت اختبار بلادي.
مات سنة خمس وتسعين.
1499