نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٩٢٣ القاضي الفاضل (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٩٢٣ القاضي الفاضل (١)
[٣] المولى الإمام العلامة البليغ، القاضي الفاضل، محيي الدين، يمين المملكة، سيد الفصحاء، أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي، الشامي، العسقلاني المولد، المصري الدار، الكاتب، صاحب ديوان الإنشاء
الصلاحي.
(١) انظر السير: ٢١ / ٣٣٨-٣٤٤.
1499
ولد سنة تسع وعشرين وخمس مئة.
[١] انتهت إلى القاضي الفاضل براعة الترسل وبلاغة الإنشاء، وله في ذلك
الفن اليد البيضاء، والمعاني المبتكرة، والباع الأطول، لا يدرك شاؤه، ولا يشق
غباره، مع الكثرة.
[٢] قال العماد: قضى سعيداً، ولم يبق عملاً صالحاً إلا قدمه، ولا عهداً في
الجنة إلا أحكمه، ولا عقد بر إلا أبرمه، فإن صنائعه في الرقاب، وأوقافه
متجاوزة الحساب، لا سيما أوقافه لفكاك الأسرى، وأعان المالكية والشافعية
بالمدرسة، والأيتام بالكتاب، كان للحقوق قاضياً، وفي الحقائق ماضياً،
والسلطان له مطيع، ما افتتح الأقاليم إلا بأقاليد آرائه.
وقال ابن خلكان: وزر للسلطان صلاح الدين بن أيوب.
وبلغنا أن كتبه التي ملكها بلغت مئة ألف مجلد، وكان يحصلها من سائر
البلاد.
[٣] حكى القاضي ضياء الدين ابن الشهرزوري أن القاضي الفاضل لما سمع
أن العادل أخذ مصر، دعا بالموت خشية أن يستدعيه وزيره ابن شكر، أو يهينه،
فأصبح ميتاً، وكان ذا تهجد ومعاملة.
[٤] قيل: كان القاضي أحدب، فحدثني شيخنا أبو إسحاق الفاضلي أن القاضي
الفاضل ذهب في الرسلية إلى صاحب الموصل، فأحضرت فواكه، فقال بعض
الكبار منكتاً: خياركم أحدب، يوري بذلك، فقال الفاضل: حسنا خير من
خياركم.
[٥] قال الحافظ المنذري: ركن إليه السلطان ركوناً تاماً، وتقدم عنده كثيراً، وكان
كثير البر، وله آثار جميلة. توفي سنة ست وتسعين وخمس مئة.
[٦] له الدين، والعفاف، والتقى، مواظب على أوراد الليل والصيام والتلاوة. لما
1500
تَمَلَّكَ أَسَدُ الدِّينِ، أَحْضَرَهُ، فَأُعْجِبَ بِهِ، ثُمَّ اسْتَخْلَصَهُ صَلَاحُ الدِّينِ لِنَفْسِهِ، وَكَانَ قَلِيلَ اللَّذَّاتِ، كَثِيرَ الْحَسَنَاتِ، دَائِمَ التَّهْجُدِ، يَشْتَغِلُ بِالتَّفْسِيرِ وَالْأَدَبِ، وَكَانَ قَلِيلَ النَّحْوِ، لَكِنَّهُ لَهُ دُرْبَةٌ قَوِيَّةٌ، وَكَانَ مُتَقَلِّلًا فِي مَطْعَمِهِ وَمَنْكِحِهِ وَمَلْبَسِهِ، لِبَاسُهُ الْبِيَاضُ، وَيَرْكَبُ مَعَهُ غُلَامٌ وَرَكَائِيٌّ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَصْحَبَهُ، وَيَكْثُرُ تَشْيِيعَ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةَ الْمَرْضَى، وَلَهُ مَعْرُوفٌ مَعْرُوفٌ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، ضَعِيفُ الْبِنْيَةِ، رَفِيقُ الصُّورَةِ، لَهُ حَدْبَةٌ يُغَطِّيهَا الطَّيْلِسَانُ، وَكَانَ فِيهِ سُوءُ خَلْقٍ يُكْمِدُ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ أَحَدًا بِهِ، وَلِأَصْحَابِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ نَفَاقٌ، يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِقَامٌ مِنْ أَعْدَائِهِ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ أَوِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَكَانَ دَخْلُهُ وَمَعْلُومُهُ فِي الْعَامِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ سِوَى مُتَاجِرِ الْهِنْدِ وَالْمَغْرِبِ. تُوُفِّيَ مَسْكُوتًا(١)، أَحُوجَ مَا كَانَ إِلَى الْمَوْتِ عِنْدَ تَوَلِّي الْإِقْبَالِ وَإِقْبَالِ الْإِدْبَارِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ بِهِ عِنَايَةٌ.
(١) يَعْنِي: فَجَاءَهُ، وَهُوَ مَا يَعْرِفُ فِي عَصْرِنَا بِالسَّكْتَةِ الْقَلْبِيَّةِ.
1501