نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٢٤٨ الحسن البصري (٤) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٢٤٨ الحسن البصري (٤) (١)
[٣] هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري. ويسار أبوه من سبي ميسان (٢) سكن المدينة، وأعتق، وتزوج بها في خلافة عمر فولد له بها الحسن رحمة الله عليه لستين بقيتا من خلافة عمر واسم أمه خيرة، ثم نشأ الحسن بوادي القرى، وحضر الجمعة مع عثمان، وسمعه يخطب وشهد يوم الدار وله يومئذ أربع عشرة سنة. وكان سيد أهل زمانه علماً وعملاً. قال معمر بن سليمان: كان أبي يقول:
(١) انظر السير: ٤/٥٦٣-٥٨٨.
(٢) ميسان: كورة واسعة كثيرة القرى والنخل بين البصرة وواسط.
447
الحسنُ شيخُ أهلِ البصرةِ.
عن الحسن: شهدتُ عثمانَ جُمعاً تباعاً يأمرُ بذبحِ الحمامِ وقتلِ الكلابِ.
[١] عن الحسن قال: رأيتُ عثمانَ نائماً في المسجد، حتى جاءه المؤذنُ فقام،
فرأيتُ أثرَ الحصى على جنبهِ.
[٢] مراسيله ليست بذاك، ولم يُطلب الحديث في صباه، وكان كثير الجهاد، وصار
كاتبا لأمير خراسان الربيع بن زياد.
وقال سليمان التيمي: كان الحسنُ يغزو، وكان مفتي البصرة جابر بن زيد أبو
الشعثاء، ثم جاء الحسن فكان يفتي.
قلت: كان رجلاً تامَّ الشكل، مليح الصورة، بهياً، وكان من الشجعان
الموصوفين.
وعن أبي بردة، قال: ما رأيتُ أحداً أشبه بأصحاب محمد ﷺ منه.
[٣] وقال مطر الوراق: لما ظهر الحسن جاء كأنما كان في الآخرة، فهو يُخبر عمَّا
عاين.
[٤] قال أيوب السختياني: كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن
المسألة هبة له.
[٥] عن الربيع بن أنس، قال: اختلفتُ إلى الحسن عشر سنين أو ما شاء الله، فليس
من يوم إلا أسمع منه مالم أسمع قبل ذلك.
وقال عوف: ما رأيت رجلاً أعلم بطريق الجنة من الحسن.
[٦] عن الحسن، قال: يا ابن آدم، والله إن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في
الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك.
[٧] وقال إبراهيم بن عيسى اليشكري: ما رأيتُ أحداً أطول حزناً من الحسن، ما رأيته
إلا حسبته حديث عهد بمصيبة.
[٨] عن عمران القصير، قال: سألتُ الحسن عن شيء فقلتُ: إن الفقهاء يقولون
كذا وكذا، فقال: وهل رأيت فقيهاً بعينك إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، البصير
448
بدينه، المداوم على عبادة ربه.
[١] هشام بن حسان: سعت الحسن يحلف بالله، ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله.
[٢] وقال حزم بن أبي حزم: سمعت الحسن يقول: بشس الرفيقان، الدينار
والدرهم، لا ينفعك حتى يفارقك.
[٣] روح بن عبادة: حدثنا حجاج الأسود، قال: تمنى رجل فقال: ليتني يزهد
الحسن، وورع ابن سيرين، وعبادة عامر بن عبد قيس، وفقه سعيد بن المسيب،
وذكر مطرف بن الشخير بشيء، قال: فنظروا في ذلك فوجدوه كله كاملاً في
الحسن.
[٤] عن قتادة، قال: دخلنا على الحسن وهو نائم، وعند رأسه سلة، فجذبناها فإذا
خبز وفاكهة، فجعلنا ناكل، فانتبه فرأنا، فسره، فتبسم وهو يقرأ ﴿أَوْ صَدِيقَكُمْ﴾ لا
جناح عليكم (١).
[٥] حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: كان الحسن يتكلم بكلام كأنه الدر،
فتكلم قوم من بعده بكلام يخرج من أفواههم كأنه القيء.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن والحجاج.
[٦] عن الحسن، قال: ابن آدم، ترك الخطيئة أهون عليك من معالجة التوبة، ما
يؤمنك أن تكون أصبت كبيرة أغلق دونها باب التوبة فأنت في غير معمل.
[٧] وقال جعفر بن سليمان: كان الحسن من أشد الناس، وكان المهلب إذا قاتل
المشركين يقدمه.
[٨] وقال أبو سعيد بن الأعرابي في «طبقات النساك»: كان عامة من ذكرنا من النساك
يأتون الحسن ويسمعون كلامه ويذعنون له بالفقه، في هذه المعاني خاصة، وكاد
عمرو بن عبيد، وعبد الواحد بن زيد من الملازمين له، وكان له مجلس خاص في
منزله، لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك وعلوم الباطر فإن سأله
إنسان غيرها، تبرم به، وقال: إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر، فأما خلقت المسجا
(١) الآية: ﴿أَوْ صَدِيقَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جَنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور ٦١].
449
فكان يَمُرُّ فيها الحديث، والفقه، وعلم القرآن، واللغة، وسائر العلوم، وكان رُبَّما يُسأل عن التصوف فيجيب، وكان منهم من يصحبه للحديث، ومنهم من يصحبه للقرآن والبيان، ومنهم من يصحبه للبلاغة، ومنهم من يصحبه للإخلاص، وعلم الخصوص، كعمرو بن عبيد، وأبي جَهير، وعبد الواحد بن زيد، وصالح المُرِّي، وشُمَيْط، وأبي عبيدة الناجي، وكل واحد من هؤلاء اشتهر بحال - يعني في العبادة.
عن إبراهيم، أن الحسن تكلم في القدر.
وقال سليمان التيمي، رجع الحسن عن قوله في القدر.
[١] عن خالد الحذاء، قال: سأل الرجل الحسن فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]؟ قال: أهل رحمته لا يختلفون، ولذلك خلقهم، خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، فقلت يا أبا سعيد آدم خلق للسماء أم للأرض؟ قال: للأرض خلق، قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: لم يكن بد من أن يأكل منها إنه خلق للأرض، فقلت: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٦٢، ١٦٣]؟ قال: نعم، الشياطين لا يضلون
إلا من أحب الله له أن يصلي الجحيم.
[٢] حميد الطويل: كان الحسن يقول: اصحب الناس بما شئت أن تصحبهم،
فإنهم سيصحبونك بمثله.
[٣] مسلم بن إبراهيم: حدثنا إياس بن أبي تميمة: شهدت الحسن في جنازة أبي رجاء على بغلة، والفرزدق إلى جنبه على بعير، فقال له الفرزدق: قد استشرفنا الناس، يقولون: خير الناس وشر الناس، قال: يا أبا فراس، كم من أشعث أغبر، ذي طمرين، خير مني، وكم من شيخ مشرك أنت خير منه، ما أعددت للموت؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله. قال: إن معها شروطاً، فإياك وقذف المحصنة، قال:
هل من توبة: قال: نعم.
[٤] وعن علقمة بن مرثد في ذكر الثمانية من التابعين، قال: وأما الحسن فما رأينا أحداً أطول حزناً منه، ما كنا نراه إلا حديث عهد بمصيبة، ثم قال: نضحك ولا
450
ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا. وقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم، هل بمحاربة الله - يعني قوة - والله لقد رأيت أقواماً كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقواماً يمسي أحدهم ولا يجد عنده إلا قوتاً فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني فيتصدق ببعضه ولعله أجوع إليه ممن يتصدق به عليه.
[١] وعن الأعمش، قال: ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها، وكان إذا ذكر الحسن عند أبي جعفر الباقر قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء. [٢] عن الحسن قال: ابن آدم، إنما أنت أيام كلما ذهب يوم، ذهب بعضك. [٣] مبارك بن فضالة: سمعت الحسن يقول: فضح الموت الدنيا، فلم يترك فيها لذي لب فرحاً.
وروى ثابت عنه، قال: ضحك المؤمن غفلة من قلبه. [٤] فضيل بن جعفر، قال: خرج الحسن من عند ابن هبيرة فإذا هو بالقراء على الباب فقال: ما يجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء، أما والله ما مجالسهم مجالسة الأبرار، تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم، فقد فرطختم (١) نعالكم، وشمّرتم ثيابكم، وجززتم شعورك، فضحتم القراء فضحكم الله، والله لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيكم، أبعد الله من أبعد
[٥] عن الحسن، قال: المؤمن من علم أن ما قال الله كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً، وأشد الناس وجلاً، فلو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحاً، وبراً إلا ازداد فرقاً، والمنافق يقول: سواد الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس علي فيسيء العمل ويتمنى على الله. [٦] قال هشام بن حسان: كنا عند محمد عشية يوم الخميس، فدخل عليه رجل بعد العصر فقال: مات الحسن، فترحم عليه محمد وتغير لونه وأمسك عن الكلام،
(١) كل شيء عرضته فقد فرطحته.
451
فما تكلّم حتى غربت الشمس، وأمسك القوم عنه ممّا رأوا من وجده عليه.
قلتُ: وما عاش محمد بن سيرين بعد الحسن إلا مئة يوم.
مات الحسن في سنة عشر ومئة.
عاش نحواً من ثمان وثمانين سنة.
قلتُ: مات في أول رجب، وكانت جنازته مشهودة، صلّوا عليه عقب الجمعة
بالبصرة، فشيّعه الخلق، وازدحموا عليه، حتى إن صلاة العصر لم تقم في
الجامع.
[١] ويروى أنه أغمي عليه ثم أفاق إفاقة فقال: لقد تبهتموني من جنات وعيون،
ومقام كريم.
452