نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٢٥٤ محمد بن سيرين (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٢٥٤ محمد بن سيرين (١)
[٤] الإمام، شيخ الإسلام، أبو بكر الأنصاري، الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك، خادم رسول الله ﷺ، وكان أبوه من سبي جرجرايا (٢)، تملكه أنس، ثم كاتبه
(١) انظر السير: ٤/٦٠٦-٦٢٢.
(٢) جرجرايا: بلد بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي.
456
على ألوف من المال، فوفاه، وعجّل له مال الكتابة قبل حلوله، فتمنع أنس من أخذه لما رأى سيرين قد كثر ماله من التجارة، وأمل أن يرثه، فحاكمه إلى عمر
رضي الله عنه، فالزمه تعجيل المؤجل.
ولد لستين بقينا من خلافة عمر.
[١] عن ابن سيرين، قال: حج بنا الوليد فمر بنا على المدينة، فأدخلنا على زيد بن
ثابت، ونحن سبعة ولد سيرين، فقال له: هؤلاء بنو سيرين، فقال زيد: هذان لأم،
وهذان لأم، وهذان لأم، وهذا من أم. قال: فما أخطأ.
عمر بن شبة: حدثنا يوسف بن عطية: رأيت ابن سيرين قصيراً عظيم البطن،
له وفرة، يفرق شعره، كثير المزاح والضحك يخضب بالحناء.
عن ابن عون قال: ثلاثة لم تر عيناي مثلهم: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن
محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام كأنهم التقوا فتواصوا.
[٢] وقد وقف على ابن سيرين دين كثير من أجل زيت كثير أراقه، لكونه وجد في
بعض الظروف فأرة.
[٣] عن ثابت، قال لي محمد: يا أبا محمد، لم يكن يمنعني من مجالستكم إلا
مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى قمت على المصطبة، فقيل: هذا ابن
سيرين، أكل أموال الناس، وكان عليه دين كثير.
[٤] وعن زهير الأقطع: كان محمد بن سيرين، إذا ذكر الموت، مات كل عضو منه
على حدة.
قال محمد بن جرير الطبري: كان ابن سيرين فقيهاً، عالماً، ورعاً أديباً، كثير
الحديث، صدوقاً، شهد له أهل العلم والفضل بذلك، وهو حجة.
[٥] عن أيوب، قال محمد: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
[٦] عن ابن سيرين، قال: لقد أتى على الناس زمان وما يسأل عن إسناد الحديث،
فلما وقعت الفتنة سئل عن إسناد الحديث، فينظر من كان من أهل البدع، ترك
حديثه.
457
[١] قال أشعث: كان ابن سيرين إذا سُئِلَ عن الحلال والحرام، تغيَّر لونه حتى تقول: كأنه ليس بالذي كان.
[٢] عن منصور: كان محمد يضحك حتى تدمع عيناه، وكان الحسن يحدِّثنا ويبكي.
[٣] وقال غالب القطان: خذوا بحلم ابن سيرين، ولا تأخذوا بغضب الحسن. [٤] عن أيوب، قال: كان محمد يصوم يوماً ويُفطر يوماً.
[٥] وقال ابن عون: كان محمد يصوم عاشوراء يومين ثم يُفطر بعد ذلك يومين. [٦] قال جرير بن حازم: كنت عند محمد، فذكر رجلاً، فقال: ذاك الأسود، ثم قال: إنا لله، إني اغتبته.
[٧] وعنه، قال: قلت مرة لرجل: يا مُفلس، فعوقبت. قال أبو سليمان الداراني وبلغه هذا فقال: قلت ذنوب القوم فعرفوا من أين أتوا، وكثرت ذنوبنا فلم نذر من أين نؤتى.
[٨] قريش بن أنس: حدَّثنا عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار، أن السجان قال لابن سيرين: إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك، فإذا أصبحت فتعال. قال: لا والله، لا أكون لك عوناً على خيانة السلطان.
[٩] قال معمر: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت كأن حمامة التقمّت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم ما كانت، ورأيت حمامة أخرى التقمّت لؤلؤة فخرجت أصغر مما دخلت، ورأيت أخرى التقمّت لؤلؤة فخرجت كما دخلت. فقال ابن سيرين: أما الأولى فذاك الحسن، يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ويصل فيه من مواعظه. وأما التي صغرت فأنا، أسمع الحديث فأسقط منه، وأما التي خرجت كما دخلت فقتادة، فهو أحفظ الناس.
[١٠] عن عبد الله بن مسلم المروزي، قال: كنت أجالس ابن سيرين، فتركته وجالست الإباضية، فرأيت كأني مع قوم يحملون جنازة النبي ﷺ، فأتيت ابن
458
سيرين فذكرت له، فقال: مالك جالست أقواماً يريدون أن يدفنوا ما جاء به النبي ﷺ.
[١] وعن هشام بن حسان، قال: قص رجل على ابن سيرين فقال: رأيت كأن بيدي قدحاً من زجاج فيه ماء، فانكسر وبقي الماء. فقال له: اتق الله فإنك لم تر شيئاً، فقال: سبحان الله. قال ابن سيرين: فمن كذب فما علي، ستلد امرأتك وتموت، ويبقى ولدها. فلما خرج الرجل قال: والله ما رأيت شيئاً. فما لبث أن ولد له وماتت امرأته.
[٢] قال: ودخل آخر فقال: رأيت كأني وجارية سوداء نأكل في قصعة سمكة، قال: أتهيء لي طعاماً وتدعوني؟ قال: نعم، ففعل، فلما وضعت المائدة، إذا جارية سوداء فقال له ابن سيرين: هل أصبت هذه؟ قال: لا، قال: فادخل بها المخدع، فدخل، وصاح: يا أبا بكر، رجل والله، فقال: هذا الذي شاركك في أهلك. [٣] عن مغيرة بن حفص، قال: سئل ابن سيرين، فقال: رأيت كأن الجوزاء تقدمت الثريا قال: هذا الحسن يموت قبلي ثم أتبعه، وهو أرفع مني.
[٤] قد جاء عن ابن سيرين في التعبير عجائب يطول الكتاب بذكرها، وكان له في ذلك تأييد إلهي.
[٥] أنس بن سيرين، قال: كان لمحمد سبعة أوراد، فإذا فاته شيء من الليل قرأه بالنهار.
[٦] عن ابن عون، أن محمداً كان يغتسل كل يوم. قلت: كان مشهوراً بالوسواس. قال مهدي بن ميمون: رأيته إذا توضأ فغسل رجليه بلغ عضلة ساقيه.
وقال سليمان بن المغيرة: رأيت ابن سيرين يلبس الثياب الثمينة والطيالس والعمائم.
[٧] وقال هشام بن حسان: حدثتني حفصة بنت سيرين قالت: كانت والدة محمد حجازية، وكان يعجبها الصبغ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوباً اشترى ألين ما
459
يجد، فإذا كان عيد، صَبَغَ لها ثياباً، وما رأيته رافعاً صوته عليها، كان إذا كَلَّمها كالمصغي إليها.
[١] عن ابن عون، أن محمداً كان إذا كان عند أمه لو رآه رجل لا يعرفه، ظنَّ أن به مرضاً من خفض كلامه عندها.
[٢] عن ابن عون، قال: كانوا إذا ذكروا عند محمد رجلاً بسيئة ذكره هو بأحسن ما يعلم. وجاءه ناس فقالوا: إننا نلنا منك فاجعلنا في حل، قال: لا أجل لكم شيئاً حرمه الله.
مات محمد بعد الحسن البصري بمئة يوم، سنة عشر ومئة.
[٣] أبو صالح كاتب الليث: حدثني يحيى بن أيوب أن رجلين تأخياً فتعاهدا: إن مات أحدهما قبل الآخر أن يخبره بما وجد، فمات أحدهما، فرآه الآخر في النوم، فسأله عن الحسن البصري؟ قال: ذاك ملك في الجنة لا يُعصى، قال: فابن سيرين؟ قال: ذاك فيما شاء واشتهى، شتان ما بينهما، قال: فبأي شيء أدرك الحسن؟ قال: بشدة الخوف والحزن.
[٤] كان الحكم ابن جحش، صديقاً لابن سيرين، فحزن على ابن سيرين حتى كان يُعاد، ثم قال: رأيته في المنام في حال كذا وكذا، فسألته لما سرني: ما فعل الحسن؟ قال: رفع فوقي سبعين درجة، قلت: بم؟ فقد كنا نرى أنك فوقه قال: بطول الحزن.
وقد كان الأوزاعي أشار عليه يحيى بن أبي كثير، أن يرتحل إلى البصرة للقي محمد بن سيرين، فأتى فوجده في مرض الموت، فعاده ولم يسمع منه، رحمه الله تعالى، وبلغني أن اسم أمه صفيّة، مولاة لأبي بكر الصديق.
460
الجزء الخامس
461
462
سِيرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ
463