نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٥٧٢ إبراهيم الحَرْبِي (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٥٧٢ إبراهيم الحَرْبِي (١)
[١] هو: الشيخ، الإمام، الحافظ، العلامة، شيخ الإسلام، أبو إسحاق، إبراهيم
ابن إسحاق بن إبراهيم، البغدادي، الحَرْبِي، صاحب التصانيف.
مولده في سنة ثمان وتسعين ومئة.
قال أبو بكر الخطيب: كان إماماً في العلم، رأساً في الزهد، عارفاً بالفقه،
بصيراً بالأحكام، حافظاً للحديث، مُميِّزاً لعلله، قيِّماً بالأدب، جماعةً للغة،
صَنَّف غريب الحديث، وكتباً كثيرة، وأصله من مرو.
[٢] ويروى أن أبا إسحاق الحربي لما دخل على إسماعيل القاضي، بادر أبو عمر
محمد بن يوسف القاضي إلى نَعْلَه، فأخذها، فمسحها من الغُبَار، فدعا له،
وقال: أعزَّك الله في الدنيا والآخرة، فلما توفي أبو عمر، رؤي في النوم، فقيل:
ما فعل الله بك؟ قال: أعزَّني في الدنيا والآخرة بدعوة الرجل الصالح.
[٣] قال محمد بن مخلد العطّار: سمعت إبراهيم الحربي يقول: لا أعلم عصابةً
خيراً من أصحاب الحديث، إنما يغدو أحدهم، ومعه محبرة، فيقول: كيف فعل
النبي صلى الله عليه وسلم وكيف صلى، إياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع، فإن
الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يُفلح.
[٤] أحمد بن محمد بن الصقر، سمعت أبا الحسن بن قريش يقول: حضرت
إبراهيم الحربي - وجاءه يوسف القاضي، ومعه ابنه أبو عمر - فقال له: يا أبا
إسحاق! لو جئناك على مقدار واجب حقك، لكانت أوقاتنا كلها عندك. فقال:
ليس كل غيبة جفوة، ولا كل لقاء مودة، وإنما هو تقارب القلوب.
[٥] قال أبو العباس ثعلب: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة ولا نحو،
من خمسين سنة.
[٦] أبو الحسين العتكي، قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول لجماعة عنده: من
(١) انظر السير: ١٣ / ٣٥٦-٣٧٢، والحَرْبِي: نسبة إلى محلة غربي بغداد، بها جامع وسوق. (اللباب).
982
تَعُدُّونَ الْغَرِيبَ فِي زَمَانِكُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: الْغَرِيبُ: مَنْ نَأَى عَنْ وَطَنِهِ. وَقَالَ آخَرُ: الْغَرِيبُ: مَنْ فَارَقَ أَحِبَّاهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْغَرِيبُ فِي زَمَانِنَا: رَجُلٌ صَالِحٌ، عَاشَ بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحِينَ، إِنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَزَرُوهُ، وَإِنْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَانُوهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إِلَى سَبَبٍ مِنَ الدُّنْيَا مَانُوهُ، ثُمَّ مَاتُوا وَتَرَكُوهُ.
قَالَ الْمَسْعُودِيُّ: كَانَتْ وَفَاةُ الْحَرْبِيِّ الْمُحْدَثِ الْفَقِيهِ فِي الْجَانِبِ الْغَرِيبِيِّ، وَلَهُ نَيْفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً... وَكَانَ صَدُوقًا، عَالِمًا، فَصِيحًا، جَوَادًا، عَفِيفًا، زَاهِدًا، عَابِدًا، نَاسِكًا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ ضَاحِكُ السِّنِّ، ظَرِيفُ الطَّبْعِ... وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَكْبِيرٌ وَلَا تَجْبِيرٌ، وَرُبَّمَا مَزَحَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ بِمَا يُسْتَحْسَنُ مِنْهُ، وَيُسْتَقْبَحُ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَانَ شَيْخُ الْبَغْدَادِيِّينَ فِي وَقْتِهِ، وَظَرِيفُهُمْ، وَزَاهِدُهُمْ، وَنَاسِكُهُمْ، وَمُسَنِّدُهُمْ فِي الْحَدِيثِ.
[١] وَكَانَ يَقُولُ: فَرَدَ عَقِبِي (١) صَحِيحٌ وَالْآخَرُ مَقْطُوعٌ، وَلَا أَحَدٌ نَفْسِي أَنِّي أُصْلِحُهُمَا، وَلَا شَكَوْتُ إِلَى أَهْلِي وَأَقَارِبِي حُمَّى أَجِدُهَا، لَا يَغْمُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ، وَلِي عَشْرُ سِنِينَ أَبْصَرَ بِفَرْدٍ عَيْنٍ، مَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا، وَأَفْنَيْتُ مِنْ عُمْرِي ثَلَاثِينَ سَنَةً بِرَغِيفَيْنِ، إِنْ جَاءَتْنِي بِهِمَا أُمِّي أَوْ أُخْتِي، وَإِلَّا بَقِيتُ جَائِعًا إِلَى اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَفْنَيْتُ ثَلَاثِينَ سَنَةً بِرَغِيفٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، إِنْ جَاءَتْنِي امْرَأَتِي أَوْ بَنَاتِي بِهِ، وَإِلَّا بَقِيتُ جَائِعًا، وَالْآنَ أَكُلُّ نِصْفَ رَغِيفٍ، وَأَرْبَعُ عَشْرَةَ تَمْرَةً، وَقَامَ إِفْطَارِي فِي رَمَضَانَ هَذَا بِدِرْهَمٍ وَدَانِقَيْنِ وَنِصْفٍ.
[٢] وَقِيلَ: إِنَّ الْمُعْتَضِدَ لَمَّا نَفَّذَ إِلَى الْحَرْبِيِّ بِالْعَشْرَةِ آلَافَ فَرْدِهَا، فَقِيلَ لَهُ: فَفَرِّقْهَا، فَأَبَى، ثُمَّ لَمَّا مَرِضَ، سَيَّرَ إِلَيْهِ الْمُعْتَضِدُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَخَاصَمَتْهُ بِنْتُهُ، فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ إِذَا مِتُّ الْفَقْرَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ جُزْءٍ حَدِيثِيَّةٍ وَلُغَوِيَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَتَبْتُهَا بِخَطِّي، فَبِيعِي مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ جُزْءًا بِدِرْهَمٍ وَأَنْفَقِيهِ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِئَتَيْنِ، وَكَانَتْ جَنَازَتُهُ مَشْهُودَةً، وَقَبْرُهُ يُزَارُ بِبَغْدَادَ.
(١) الْعَقَبُ هُنَا: النعل، عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
983