تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٥٩٢ محمد بن نصر (١)

الصفحات 1013–1016 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 5 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٥٩٢ محمد بن نصر (١)

[١] ابن الحجاج المروزي الإمام، شيخ الإسلام، أبو عبدالله الحافظ. مولده ببغداد في سنة اثنين ومئتين، ومنشؤه بنيسابور. ومسكنه سمرقند، كان أبوه مروزيًا، ولم يرفع لنا في نسبه.

ذكره الحاكم فقال: إمام عصره بلا مدافعة في الحديث.

[٢] قُلْتُ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ أَعْلَمُ الْأَئِمَّةِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ إِسْحَاقَ الصَّبَغِيُّ، وَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَنْظُرُ إِلَى تَمَكُّنِ أَبِي عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ فِي عَقْلِهِ؟ فَقَالَ: ذَاكَ عَقْلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قِيلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ مَالِكًا كَانَ مِنْ أَعْقَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ وَكَانَ يُقَالُ: صَارَ إِلَيْهِ عَقْلُ الَّذِينَ جَالَسَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، فَجَالَسَهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النِّيسَابُورِيُّ، فَأَخَذَ مِنْ عَقْلِهِ وَسَمَّتَهُ، ثُمَّ جَالَسَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ سِنِينَ، حَتَّى أَخَذَ مِنْ سَمَّتِهِ وَعَقْلِهِ، فَلَمْ يَرَ بَعْدَ يَحْيَى مِنْ فُقَهَاءِ خُرَاسَانَ أَعْقَلُ مِنْ ابْنِ نَصْرٍ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَلِيٍّ الثَّقَفِيَّ جَالَسَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ أَعْقَلُ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ.

[٣] وَمِنْ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَتِ الْمَعَاصِي بَعْضُهَا كُفْرًا وَبَعْضُهَا لَيْسَ بِكُفْرٍ، فَرَّقَ تَعَالَى بَيْنَهَا، فَجَعَلَهَا ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ: فَنَوْعٌ مِنْهَا كُفْرٌ، وَنَوْعٌ مِنْهَا فُسُوقٌ، وَنَوْعٌ مِنْهَا عِصْيَانٌ، لَيْسَ بِكُفْرٍ وَلَا فُسُوقٍ. وَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَرَّهَهَا كُلُّهَا إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمَّا كَانَتِ الطَّاعَاتُ كُلُّهَا دَاخِلَةً فِي الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ خَارِجٌ عَنْهُ، لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهَا، فَمَا قَالَ حَبَبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانُ وَالْفَرَائِضُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ، بَلْ أَجْمَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿حَبَبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانُ﴾ [الحجرات ٧] فَدَخَلَ فِيهِ جَمِيعَ الطَّاعَاتِ، لِأَنَّهُ قَدْ

(١) انظر السير: ١٤/٣٣-٤٠

1013

حب إليهم الصلاة والزكاة، وسائر الطاعات حُبَّ تَدَيُّن، ويكرهون المعاصي كراهية تَدَيُّن، ومنه قوله عليه السلام: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وساءته سَيِّئَتُهُ، فهو مُؤْمِن».

[١] وقال أبو بكر الصبغي: أدركت إمامين لم أرزق السماع منهما: أبو حاتم الرازي، ومحمد بن نصر المروزي، فأما ابن نصر، فما رأيت أحسن صلاة منه، لقد بلغني أن زنبوراً قعد على جبهته فسال الدم على وجهه، ولم يتحرك.

[٢] وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن نصر، كان الذباب يقع على أذنه، فيسيل الدم، ولا يذبه عن نفسه، ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيئته للصلاة، كان يضع ذقنه على صدره فينتصب كأنه خشبة منصوبة. قال: وكان من أحسن الناس خلقاً، كأنما فقيء في وجهه حب الرمان، وعلى خديه كالورد، ولحيته بيضاء.

[٣] عثمان بن جعفر اللبان، حدثني محمد بن نصر قال: خرجت من مصر ومعي جارية، فركبت البحر أريد مكة، فغرقت، فذهب مني ألفا جزء، وصرت إلى جزيرة أنا وجاريتي، فما رأينا فيها أحداً، وأخذني العطش فلم أقدر على الماء، فوضعت رأسي على فخذ جاريتي مستسلماً للموت، فإذا رجل قد جاءني ومعه كوز، فقال: لي: هاه. فشربت وسقيتها، ثم مضى، فما أدري من أين جاء؟ ولا من أين راح؟ [٤] وروي عنه أنه قال: لم يكن لي حسن رأي في الشافعي، فبينما أنا قاعد في مسجد النبي ﷺ، أغفيت، فرأيت الرسول ﷺ، في المنام فقلت: يا رسول الله! أكتب رأي الشافعي؟ فطأطأ رأسه شبه الغضبان وقال: تقول رأي؟ ليس هو بالرأي، هورداً على من خالف سنتي. فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر، فكتبت كتب الشافعي. [٥] قال الوزير أبو الفضل محمد بن عبيد الله البلعمي: سمعت الأمير إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسمرقند، فجلست يوماً للمظالم، وجلس أخي إسحاق إلى جنبي، إذ دخل أبو عبد الله محمد بن نصر، فقمت له إجلالاً للعلم، فلما خرج عاتبني أخي وقال: أنت والي خراسان تقوم لرجل من الرعية؟ هذا ذهاب السياسة،

1014

قال: فبِتُّ تلك الليلة وأنا متقسِّم القلب، فرأيتُ النبي ﷺ في المنام، كأنِّي واقف مع أخي إسحاق، إذ أقبل النبي ﷺ فأخذ بعضدي فقال لي: ثبت ملكك وملك

بنيك بإجلالك محمد بن نصر. ثم التفت إلى إسحاق، فقال: ذهب ملك

إسحاق، وملك بنيه باستخفافه بمحمد بن نصر.

ومات بعد أيام قلائل من موت صالح بن محمد جزرة وذلك سنة أربع وتسعين

ومئتين.

[١] قال الحافظ أبو عبدالله بن مندة في مسألة الإيمان: صرَّح محمد بن نصر في كتاب «الإيمان» بأن الإيمان مخلوق، وأن الإقرار، والشهادة وقراءة القرآن بلفظه مخلوق. ثم قال: وهجره على ذلك علماء وقته وخالفه أئمة خراسان والعراق.

[٢] قلت: الخوض في ذلك لا يجوز، وكذلك لا يجوز أن يقال: الإيمان، والإقرار، والقراءة، والتلفظ بالقرآن غير مخلوق، فإن الله خلق العباد وأعمالهم، والإيمان: فقول وعمل، والقراءة والتلفظ: من كسب القارئ، والمقروء الملفوظ: هو كلام الله ووحيه وتنزيله، وهو غير مخلوق وكذلك كلمة الإيمان، وهي قول «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» داخلة في القرآن، وما كان من القرآن فليس بمخلوق، والتكلم بها من فعلنا وأفعالنا مخلوقة، ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له، قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو

أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة.

[٣] وقال أبو محمد بن حزم في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها، وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه.

وقال: وما نعلم هذه الصفة - بعد الصحابة - أتم منها في محمد بن نصر المروزي، فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما أبعد عن الصدق.

1015

قلت: هذه السعة والإحاطة ما أدعاها ابن حزم لابن نصر إلا بعد إمعان النظر في جماعة تصانيف لابن نصر، ويمكن ادعاء ذلك لمثل أحمد بن حنبل ونظرائه، والله أعلم.

1016

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080