نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٠٢ ابن مندة (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٠٢ ابن مندة (١)
[١] الإمام الكبير الحافظ المجود، أبو عبد الله، محمد بن يحيى بن مندة، العبدي مولاهم الأصبهاني.
وُلِدَ في حدود العشرين ومئتين في حياة جدهم مندة. وكان ينازع الحافظ أحمد بن الفرات، ويذاكره، ويرادده وهو شاب. ومات ابن مندة في رجب سنة إحدى وثلاث مئة.
[٢] محمد بن يحيى بن مندة، حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل الثقفي، حدثنا مجالد، حدثنا عون بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه قال: «ما مات النبي ﷺ حتى قرأ وكتب» (٢).
[٣] قلت: لم يرد أنه ﷺ، كتب شيئاً، إلا ما في «صحيح البخاري» من أنه يوم صلح الحديبية كتب اسمه «محمد بن عبد الله» واحتج بذلك القاضي أبو الوليد الباجي، وقام عليه طائفة من فقهاء الأندلس بالإنكار، وبدعوه حتى كفره بعضهم، والخطب يسير، فما خرج عن كونه أمياً بكتابة اسمه الكريم، فجماعة من الملوك ما علموا من الكتابة سوى مجرد العلامة، وما عدهم الناس بذلك كاتبين، بل هم أميون فلا عبرة بالنادر، وإنما الحكم للغالب، والله تعالى فمن حكمته لم يلهم نبيه
(١) انظر السير: ١٤/١٨٨-١٩٣.
(٢) إسناده ضعيف لضعف مجالد - وهو ابن سعيد الهمداني الكوفي، وأورده الحافظ في «الفتح» ٧/٣٨٦-٣٨٧ وقد تحرف فيه مجالد إلى مجاهد ونسبه لابن أبي شيبة، وضعفه.
1028
تَعْلَمُ الْكِتَابَةَ، وَلَا قِرَاءَةَ الْكُتُبِ حَسَمًا لِمَادَّةِ الْمُبْطِلِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، [العنكبوت ٤٨]. ومع هذا فقد افْتَرَوْا وَقَالُوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان ٥].
فانظر إلى قِحَّةِ الْمَعَانِدِ، فَمِنَ الَّذِي كَانَ بِمَكَّةَ وَقْتَ الْمَبْعَثِ يَدْرِي أَخْبَارَ الرُّسُلِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ؟ مَا كَانَ بِمَكَّةَ أَجِدُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَصْلًا، ثُمَّ مَا الْمَانِعُ مِنْ تَعَلُّمِ النَّبِيِّ ﷺ، كِتَابَةَ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ مَعَ فَرْطِ ذَكَائِهِ وَقُوَّةِ فَهْمِهِ، وَدَوَامِ مُجَالَسَتِهِ لِمَنْ يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْوَحْيَ وَالْكُتُبَ إِلَى مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، ثُمَّ هَذَا خَاتَمُهُ فِي يَدِهِ وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا تَعْقِلُ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَرَفَ كِتَابَةَ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِأَنَّهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - مَا كَانَ يَدْرِي مَا الْكِتَابُ؟ ثُمَّ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، ثُمَّ الْكِتَابَةُ صِفَةُ مَدْحٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٤-٥].
فَلَمَّا بَلَغَ الرِّسَالَةَ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، شَاءَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْكِتَابَةَ النَّادِرَةَ الَّتِي لَا يَخْرُجُ بِمِثْلِهَا عَنْ أَنْ يَكُونَ أُمِّيًّا ثُمَّ هُوَ الْقَائِلُ «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ»، فَصَدَقَ إِخْبَارُهُ بِذَلِكَ، إِذِ الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، فَنَفَى عَنْهُ وَعَنْ أُمَّتِهِ الْكِتَابَةَ وَالْحِسَابَ لِنُدَوِّرَ ذَلِكَ فِيهِمْ وَقِلَّتَهُ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ كِتَابُ الْوَحْيِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَحْسُبُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء ١٢].
وَمِنْ عِلْمِهِمُ الْفَرَائِضُ وَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى حِسَابٍ وَعَوَّلٍ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَفَى عَنِ الْأُمَّةِ الْحِسَابِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَنْفِيَّ كَمَالُ عِلْمِ ذَلِكَ وَدَقَائِقُهُ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الْقِبْطُ وَالْأَوَائِلُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَحْتَجَّ إِلَيْهِ دِينُ الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ الْحَمْدُ، فَإِنَّ الْقِبْطَ عِمَّقُوا فِي الْحِسَابِ وَالْجَبْرِ، وَأَشْيَاءُ تَضْيِيعِ الزَّمَانِ. وَأَرْبَابُ الْهَيْئَةِ تَكَلَّمُوا فِي سَيْرِ النُّجُومِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْكَسُوفِ وَالْقُرْآنِ (١) بِأُمُورٍ طَوِيلَةٍ لَمْ يَأْتِ الشَّرْعُ بِهَا، فَلَمَّا ذَكَرَ (١) يَعْنِي قُرْآنَ الْكَوَاكِبِ.
1029
الشُّهُورُ وَمَعْرِفَتُهَا، بَيْنَ أَنَّ مَعْرِفَتَهَا لَيْسَتْ بِالطُّرُقِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْمُنَجِّمُ وَأَصْحَابُ التَّقْوِيمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا نَعْبَأُ بِهِ فِي دِينِنَا، وَلَا نَحْسَبُ الشَّهْرَ بِذَلِكَ أَبَدًا ثُمَّ بَيْنَ أَنَّ الشَّهْرَ بِالرُّؤْيَةِ فَقَطْ، فَيَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، أَوْ بِتَكْمِلَةِ ثَلَاثِينَ فَلَا نَحْتَاجُ مَعَ الثَّلَاثِينَ إِلَى تَكَلُّفِ رُؤْيَةٍ.
وَأَمَّا الشِّعْرُ: فَنَزَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الشِّعْرِ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس ٦٩].
فَمَا قَالَ الشِّعْرُ مَعَ كَثْرَتِهِ وَجُودَتِهِ فِي قُرَيْشٍ وَجَرَيَانِ قَرَائِحِهِمْ بِهِ، وَقَدْ يَقَعُ شَيْءٌ نَادِرٌ فِي كَلَامِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُوزُونًا، فَمَا صَارَ بِذَلِكَ شَاعِرًا قَطُّ. كَقَوْلِهِ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
وَقَوْلِهِ:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعُ دَمِيَّتٍ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَقَعُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالطِّبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ اتِّفَاقًا وَلَا يَقْصِدُهُ الْمُؤَلِّفُ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ، أَفَيَقُولُ مُسْلِمٌ قَطُّ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ ١٣].
هُوَ بَيْتٌ؟! مُعَاذُ اللَّهِ! وَإِنَّمَا صَادِفٌ وَزْنًا فِي الْجُمْلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
1030