تخطَّ إلى المحتوى
مكتبة محمد موسى الشريف
القائمة

نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٥٣ - الناصر لدين الله (٣)

الصفحات 1552–1558 من الطبعة المصدرمدة القراءة التقريبية: 9 دقائق

حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس

كتابنزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء

٩٥٣ - الناصر لدين الله (٣)

[٤] الخليفة أبو العباس أحمد ابن المستضيء الهاشمي العباسي البغدادي مولده سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة.

(٣) انظر السير: ٢٢ / ١٩٢-٢٤٢.

1552

[١] ولم يل الخلافة أحد أطول دولة منه، لكن صاحب مصر المستنصر العبيدي

ولي ستين سنة، وكذا ولي الأندلس الناصر المرواني خمسين سنة. قال الموفق عبد اللطيف: كان الناصر شاباً مرحاً عنده ميعة الشباب يشق الرؤب والأسواق أكثر الليل، والناس يتهيئون لقياه، وظهر الرّفض بسبب ابن الصاحب ثم انطفأ بهلاكه وظهر التسنن، ثم زال، وظهرت الفتوة والبندق والحمام الهادي، وتفنّن الناس في ذلك، ودخل فيه الأجلاء ثم الملوك، فألبس العادل وأولاده سراويل الفتوة.

كانت له جيل لطيفة، وخذع لا يقطن إليها أحد، يوقع صداقة بين ملوك متعادين، ويوقع عداوة بين ملوك متوادين ولا يقطنون.

[٢] وكان الناصر (١) قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، حتى كان يرهبه أهل الهند وأهل مصر، فأحيى هيبة الخلافة، لقد كنت بمصر وبالشام في خلوات الملوك والأكابر إذا جرى ذكره خفضوا أصواتهم إجلالاً له.

[٣] قال القاضي ابن واصل: كان الناصر شهماً شجاعاً ذا فكرة صائبة وعقل رصين ومكر ودهاء، وكانت هيبته عظيمة جداً، وله أصحاب أخبار بالعراق وسائر الأطراف يطلعونه بجزئيات الأمور.

قال: وكان رديء السيرة في الرعية، مائلاً إلى الظلم والعسف فخربت في أيامه العراق وتفرق أهلها وأخذ أملاكهم، وكان يفعل أفعالاً متضادة، ويتشيع بخلاف آبائه.

[٤] قال: وبلغني أن رجلاً كان يرى صحة خلافة يزيد، فأحضره ليعاقبه فسأله: ما تقول في خلافة يزيد؟ قال: أنا أقول لا ينعزل بارتكاب الفسق، فأعرض عنه، وأمر بإطلاقه، وخاف من المحافظة.

[٥] قال: وسئل ابن الجوزي والخليفة يسمع: «من أفضل الناس بعد رسول الله (١) الكلام للموفق عبد اللطيف.

1553

صلى الله عليه وسلم؟ قال: «أفضلهم بعده من كانت بنته تحته». وهذا جواب

جيد يصدق على أبي بكر وعلى علي.

[١] نقل العدل شمس الدين الجزري في (تاريخه)، عن أبيه قال: سمت المؤيد

ابن العلقمي الوزير يقول: إن الماء الذي يشربه الإمام الناصر كان تجيء به

الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ ويغلى سبع غلوات ثم يحبس في الأوعية

أسبوعاً ثم يشرب منه، وما مات حتى سقي المرقد ثلاث مرار وشق ذكره، وأخرج

منه الحصى.

وقال ابن الأثير: بقي الناصر ثلاث سنين عاطلاً عن الحركة بالكلية وقد ذهبت

إحدى عينيه، وفي الآخر أصابه دوستطاريا عشرين يوماً ومات.

[٢] وفي سنة خمس وثمانين وفي المقبلة: كان الحصار الذي لم يسمع بمثله أبداً

على عكا، كان السلطان قد افتتحها وأسكنها المسلمين فأقبلت الفرنج براً وبحراً

من كل فج عميق فأحاطوا بها، وسار صلاح الدين فيدفعهم فما تزعزعوا ولا

فكروا بل أنشأوا سوراً وخندقاً على معسكرهم وجرت غير وقعة، وقتل خلق كثير

يحتاج بسط ذلك إلى جزء، وامتدت المنازلة والمطاولة والمقاتلة نيفاً وعشرين

شهراً، وكانت الأمداد تأتي العدو من أقصى البحار، واستنجد صلاح الدين

بالخليفة وغيره حتى أنه نفذ رسولاً إلى صاحب المغرب يعقوب المؤمني

يستجيشه فما نفع، وكل بلاء النصارى ذهاب بيت المقدس منهم.

[٣] قال ابن الأثير: لبس القسوس السواد حزناً على القدس، وأخذهم بترك (١)

القدس وركب بهم البحر يستنفرون الفرنج، وصوروا المسيح وقد ضربه النبي

صلى الله عليه وسلم وجرحه، فعظم هذا المنظر على النصارى فخرجوا على

الصعب والذلول براً وبحراً، ولولا لطف الله بإهلاك ملك الألمان وإلا لكان

يُقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين.

(١) هو البطريرق.

1554

قلت: كانت عساكر العدو فوق المثنى ألف، ولكن هلكوا جوعاً ووباء وهلكت دوابهم، وجافت الأرض بهم.

[١] ومن إنشاء الفاضل إلى الديوان وهم على عكا «يَمُدُّهم البحرُ بمراكب أكثر من أمواجه، ويخرج لنا أمر من أجاجه، وأصحابنا قد أثرت فيهم المدة الطويلة في استطاعتهم لا في طاعتهم، وفي أحوالهم لا في شجاعتهم فنقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة، ونرجو على يد أمير المؤمنين الإجابة، وقد حرم باباهم لعنه الله كل مباح واستخرج منهم كل مذخور وأغلق دونهم الكنائس، ولبسوا الحداد، وحكم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة، فيا عصبة نبينا صلى الله عليه وسلم أخلفه في أمته بما تطمئن به مضاجعه، ووفه الحق فينا، فها نحن عندك ودائعه، ولولا أن في التصريح ما يعود على العدالة بالتجريح لقال الخادم ما يبكي العيون ويبكي القلوب، ولكنه صابر محتسب وللنصر مرتقب، رب لا أملك إلا نفسي وها هي في سبيلك مبذولة، وأخي وقد هاجر هجرة نرجوها مقبولة، وولد وقد بذلت للعدو صفحات وجوههم، ونقف عند هذا الحد والله الأمر من قبل ومن بعد.

[٢] ومن كتاب إلى الديوان: «قد بلى الإسلام منهم بقوم استطابوا الموت، وفارقوا الأهل طاعة لقسيسهم، وغيرة لمعبدهم، وتهالكاً على قمامتهم (١)، حتى لسارت ملكة منهم بخمس مئة مقاتل التزمت بنفقاتهم فأخذها المسلمون برجالها بقرب الإسكندرية، فذوات المقانع مقنعات دارعات تحمل الطوارق والقبطاريات، ووجدنا منهم عدة بين القتلى، وبابا رومية حكم بأن من لا يتوجه إلى القدس فهو محرم لا منكح له ولا مطعم فلهذا يتهافتون على الورود ويتهالكون على يومهم الموعود، وقال لهم: إنني واصل في الربيع جامع على استنفار الجميع، وإذا نهض فلا يقعد عنه أحد، ويقبل معه كل من قال: الله ولد».

(١) يعني: كنيسة القيامة.

1555

[١] سنة سبع وثمانين اشتدت مضايقة العدو عكا وأمدادهم متواترة، فوصل ملك الإنكليتر (١) وقد مر بقبرص وغدر بصاحبها، وتملكها كلها، ثم سار إلى عكا في خمس وعشرين قطعة، وكان ماكراً داهية شجاعاً، فخارت قوى من بها من المسلمين وضعفوا وقلقوا، فبعث إليهم السلطان: أن اخرجوا كلكم من البلد على حَمِيَّة وسيروا مع البحر واحملوا عليهم وأنا أجيئهم من ورائهم وأكشف عنكم، فشرعوا في هذا فما تهيأ، ثم خرج أمير عكا ابن المشطوب إلى ملك الفرنج وطلب الأمان فأبى، قال: فنحن لا نُسَلِّمُ عكا حتى نَقْتُل جميعاً ورجع، فزحف العدو عليها، وأشرفوا على أخذها فطلب المسلمون الأمان على أن يسلموا عكا ومثنى ألف دينار وخمس مئة أسير وصليب الصلبوت فأجيبوا، ثم سارت الفرنج تقصد عسقلان، فسار السلطان في عراضهم، ثم كانت وقعة نهر القصب، ثم وقعة أرسوف فانتصر المسلمون وأتى صلاح الدين عسقلان فأخلاها، وشرع في هدمها، وهدم الرملة ولُد وشرعت الفرنج في عمارة يافا، وطلبوا الهدنة، ثم جرت وقعات صغار وقصدت الملاعين بيت المقدس وبها السلطان، فبالغ في تحصينها.

[٢] وفي سنة إحدى وتسعين كانت بالأندلس الملحمة العظمى، وقعة الزلاقة بين يعقوب وبين الفُتُش الذي استولى على بلاد الأندلس، فأقبل اللعين في مثنى ألف وعرض يعقوب جنده فكانوا مئة ألف مرتزقة، ومئة ألف مطوَّعة، عدوا البحر إلى الأندلس فنزل النصر ونجا قليل من العدو، قال أبو شامة: عدة القتلى مئة ألف وستة وأربعون ألفاً، وأسر ثلاثون ألفاً، وأخذ من خيامهم مئة ألف خيمة وخمسون ألفاً، ومن الخيل ثمانون ألف رأس ومن البغال مئة ألف، ومن الحمير التي لأثقالهم أربع مئة ألف، وبيع الأسير بدرهم والحصان بخمسة، وقسم السلطان الغنيمة على الشريعة واستغنوا.

(١) ونكتب: (الإنكليتر) وهو ملك إنكلترا ريتشارد قلب الأسد.

1556

[١] وفي سنة ٦٠٦ أول ما سُمع بذكر التتار، فخرجوا من أراضيهم بادية الصين، وراء بلاد تركستان، فحاربوا الخطا مرات وقووا بكسرة خوارزم شاه للخطا، وعاثوا. وكان رأسهم يدعى كشلوخان.

ثم خرج على كشلوخان الطاغية جنكزخان، فتحاربوا مدة، وظفر جنكزخان، وطغى، وتمرد، وأباد البلاد والعباد، وأخذ أقاليم الخطا، وجعل خان بالق دار ملكه، وأفنى الأمم بإقليم الترك وما وراء النهر وخراسان، وهزم الجيوش، وما جرى له فسيرة مفردة، وقد جود وصفهم الموفق البغدادي، فقال:

[٢] حديثهم حديث يأكل الأحاديث، وخبر ينسي التواريخ، ونازلة تطبق الأرض، هذه أمة لغتها مشوبة بلغة الهند لمجاورتهم، عراض الوجوه واسعوا الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر، سريعوا الحركة، وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم، لأن الغريب لا يشبههم، وإذا أرادوا وجهة كتموا أمرهم ونهضوا دفعة، فتسند لهذا على الناس وجوه الجيل، وتضيق طرق الهرب ويسبقون التأهب، نساؤهم يقاتلن، يقتلون النساء والولدان بغير استثناء، وربما أبقوا ذا صنعة أو ذا قوة، وغالب سلاحهم النشاب ويطعنون بالسيوف أكثر مما يضربون بها، وخيلهم تأكل الكلا وما تجد من ورق وخشب، وسروجهم صغار ليس لها قيمة، وأكلهم أي حيوان وجد وتمسه النار، تحلة القسم، ليس في قتلهم استثناء، كان قصدهم إفتاء النوع، ما سلم منهم إلا غزنة وأصبهان.

قلت: ثم استباحوا أصبهان سنة ٦٣٢.

[٢] وفي سنة ٦١٧: وقعة البرلس بين الكامل والفرنج، فنصر الله وقبل من الفرنج عشرة آلاف وانهزموا، فاجتمعوا بدمياط.

[٣] وفيها أخذت التتار بخارى وسمرقند بالسيف، وعدوا جيحون. قال ابن الأثير: لو قيل: إن العالم منذ خلق إلى الآن لم يبتلوا بمثل كائنة التتار لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها، قوم خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد

1557

تُركستان، ثم إلى بخارى وسمرقند فتملكوها، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها تخريباً وقتلاً إلى الري وهمذان، ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها ويستبيحونها في أقل من سنة، أمر لم نسمع بمثله، ثم ساروا إلى دُرُند شروين، فملكوا مُدَنَّة، وعبروا إلى بلاد اللان واللكز قتلاً وأسراً، ثم قصدوا بلاد قُفْجاق فقتلوا من وقف وهرب من بقي إلى الشعراء والجبال، واستولت التتار على بلادهم، ومضت فرقة أخرى إلى غزنة وسِجستان وكُرمان، ففعلوا كذلك وأشد. هذا ما لم يطرق الأسماع مثله، فإن الإسكندر ما ملك الدنيا بهذه السرعة، بل في نحو عشر سنين ولم يقتل أحداً.

[١] وقال: وخيلهم لا تعرف الشعير، إنما تحفر بحوافرها وتأكل عروق النبات، وهم يسجدون للشمس، ولا يحرمون شيئاً، ويأكلون الحيوانات. ولا يعرفون زواجاً، وهم صنف من الترك.

وأما الخليفة فإنه جمع الجموع وجيش الجيوش، وحشر فنادى، وأتته البعوث من كل حدب ينسلون، ولما جاء رسول التتار احتفل الجيش وبالغوا، حتى امتلأ قلبه رعباً، ودماغه خيالاً، فرجع مخبراً.

قلت: هذا كله وجيش مصر والشام في مصابرة الفرنج بدمياط والأمر شديد. وفي سنة اثنتين وعشرين وست مئة توفي أمير المؤمنين فبويع ابنه الظاهر أبو نصر محمد كهلاً، فكانت دولة الناصر سبعاً وأربعين سنة.

1558

بطاقة الاقتباس

اختر ما يليق بالنص، ثم شاركه.

تصميم البطاقة

صفحة كتاب، ومساحة للنص

حتى 340 حرفًا، بما فيها المسافات.

حرفًا

تظهر إحالة المصدر على جميع التصاميم. تعديل البطاقة لا يغيّر النص الأصلي.

المعاينة ستظهر هنا

صورة PNG بدقة 1080 × 1080