نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٤٨٩ - حاتم الأصم (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٤٨٩ - حاتم الأصم (١)
[١] الزاهد القدوة الرباني، أبو عبد الرحمن، حاتم بن عنوان بن يوسف البلخي الواعظ الناطق بالحكمة، الأصم، له كلام جليل في الزهد والمواعظ والحكم، كان يقال له: لقمان هذه الأمة.
[٢] وقيل له: على ما بنيت أمرك في التوكل؟ قال: على خصال أربعة: علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فأطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة، فأنا أبادره وعلمت أني لا أخلو من عين الله، فأنا مستحي منه.
[٣] وعنه: من أصبح مستقيماً في أربع فهو بخير: التفقه، ثم التوكل ثم الإخلاص، ثم المعرفة.
[٤] وعنه: تعاهد نفسك في ثلاث: إذا عملت، فاذكر نظر الله إليك وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك. [٥] قال أبو تراب: سمعت حاتماً يقول: لي أربعة نسوة، وتسعة أولاد، ما طمع شيطان أن يوسوس إلي في أرزاقهم.
[٦] قال شقيق لحاتم، مذ صحبتني، أي شيء تعلمت مني؟ قال: ست كلمات: رأيت الناس في شك من أمر الرزق، فتوكلت على الله. قال الله
تعالى:
(١) انظر السير: ١١ / ٤٨٤-٤٨٧.
848
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. ورأيت لكل رجل صديقاً يُفشي إليه سره، ويشكو إليه، فصادقت الخير ليكون معي في الحساب، ويجوز معي الصراط. ورأيت كل أحد له عدو، فمن اغتابني ليس بعدوي، ومن أخذ مني شيئاً ليس بعدوي، بل عدوي من إذا كنت في طاعة، أمرني بمعصية الله وذلك إبليس وجنوده، فاتخذتهم عدواً وحاربتهم.
ورأيت الناس كلهم لهم طالب، وهو ملك الموت، ففرغت له نفسي. ونظرت في الخلق، فأحببت ذا، وأبغضت ذا. فالذي أحببته لم يعطني، والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئاً، فقلت: من أين أتيت؟ فإذا هو من الحسد فطرحته وأحببت الكل، فكل شيء لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم. ورأيت الناس كلهم لهم بيت ومأوى، ورأيت مأواي القبر، فكل شيء قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي لأعمر قبري. فقال شقيق: عليك بهذه الخصال.
[١] وعن حاتم قال: لو أن صاحب خبر جلس إليك، لكنت تتحرز منه وكلامك يُعرض على الله فلا تحترز! [٢] قلت: هكذا كانت نكت العارفين وإشاراتهم، لا كما أحدث المتأخرون من الفناء والمحو والجمع الذي آل بجهلتهم إلى الاتحاد، وعدم السوى. توفي حاتم الأصم، رحمه الله - سنة سبع وثلاثين ومئتين.
849