نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦١٠ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦١٠ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ (٢)
[٦] ابْنُ يَزِيدَ، الإِمَامُ العَلَمُ المُجْتَهِدُ، عَالِمُ العَصْرِ، أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ البَدِيعَةِ، مِنْ أَهْلِ آمِلِ طَبَرِسْتَانَ.
مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِئَتَيْنِ، وَطَلَبَ العِلْمَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ وَمِئَتَيْنِ وَأَكْثَرَ التَّرْحَالِ، وَلَقِيَ نَبْلاَءَ الرِّجَالِ، وَكَانَ مِنْ أَفْرَادِ الدَّهْرِ عِلْمًا وَذَكَاءً وَكَثْرَةَ تَصَانِيفٍ، قَلَّ
(٢) انظر السير: ١٤/٢٦٧-٢٨٢.
1037
أن ترى العيون مثله.
واستقر في أواخر أمره ببغداد. وكان من كبار أئمة الاجتهاد.
قلت: كان ثقة، صادقاً، حافظاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع
والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفاً بالقراءات وباللغة، وغير ذلك. [١] وقيل: إن المكتفي أراد أن يُحَبِّسَ وقفاً تجتمع عليه أقاويل العلماء، فأحضر له ابن جرير، فأملى عليهم كتاباً لذلك، فأخرجت له جائزة، فامتنع من قبولها، فقيل له: لا بُدَّ من قضاء حاجة. قال: أسأل أمير المؤمنين أن يمنع السؤال يوم الجمعة،
ففعل ذلك.
[٢] محمد بن أحمد الصحاف السجستاني، سمعت أبا العباس البكري يقول: جمعت الرحلة بين ابن جرير، وابن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد ابن هارون الروياني بمصر، فأرملوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضر بهم الجوع فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام. فخرجت القرعة على ابن خزيمة، فقال لأصحابه أمهلوني حتى أصلي صلاة الخيرة. قال: فاندفع في الصلاة، فإذا هم بالشموع وخصي من قبل والي مصر يدق الباب، ففتحوا، فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هو ذا، فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً، فدفعها إليه، ثم قال: وأيكم محمد بن جرير؟ فأعطاه خمسين ديناراً، وكذلك للروياني، وابن خزيمة، ثم قال: إن الأمير كان قائلاً (١) بالأمس، فرأى في المنام أن المحامد جياع قد طوّوا كشحهم، فأنفذ إليكم هذه الصرر، وأقسم عليكم: إذا نفذت فابعثوا إلي أحدكم.
[٣] وكان ربما أهدى إليه بعض أصدقائه الشيء فيقبله، ويكافئه أضعافاً لعظم مروءته.
(١) أي: نائماً في القائلة، وهي نصف النهار. وفعله: قال يقبل.
1038
[١] قال الخطيب: سمعتُ عليَّ بن عبيد الله اللُّغوي يحكي: أنَّ محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة.
قال الخطيب: وبلغني عن أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفراييني الفقيه أنه قال: لو سافر رجل إلى الصين حتى يُحَصِّل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيراً. قال الحاكم: سمعتُ حُسَيْنَك بن علي يقول: أول ما سألني ابن خزيمة فقال لي: كتبت عن محمد بن جرير الطبري؟ قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: لأنه كان لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه، قال: بش ما فعلت، ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنهم، وسمعت من أبي جعفر.
قال الحاكم: وسمعتُ أبا بكر بن بالويه يقول: قال لي أبو بكر بن خزيمة: بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: بلى كتبت عنه إملاء، قال: كله؟ قلت: نعم، قال في أي سنة؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ومئتين. قال: فاستعاره مني أبو بكر، ثم رده بعد سنين، ثم قال: لقد نظرت فيه من أوله إلى آخره وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ولقد ظلمته الحنابلة.
[٢] كان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات، من جاهل، وحاسد، ومُلحد، فأما أهل الدين والعلم، فغير منكرين علمه، وزهده في الدنيا، ورفضه لها، وقناعته - رحمه الله - بما كان يرد عليه من حصة من ضيعة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة.
[٣] أبو القاسم بن عقيل الوراق: أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله! ماتت الهمم. فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة ولما أن أراد أن يُملي التفسير قال لهم نحواً من ذلك، ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ.
1039
[١] وقال مخلد الباقرجي: أنشدنا محمد بن جرير لنفسه:
إِذَا أَعْسَرْتُ لَمْ يَعْلَمْ رَفِيقِي وَأَسْتَغْنِي فَيَسْتَغْنِي صَدِيقِي
حَيَائِي حَافِظٌ لِي مَاءَ وَجْهِي وَرَفِيقِي فِي مُطَالِبَتِي رَفِيقِي
وَلَوْ أَنِّي سَمَحْتُ بِمَاءٍ وَجْهِي لَكُنْتُ إِلَى الْعُلَى سَهْلَ الطَّرِيقِ
[٢] وحضر وقت موته جماعة منهم: أبو بكر بن كامل، فقيل له قبل خروج روحه:
يَا أَبَا جَعْفَرٍ! أَنْتَ الْحُجَّةُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ فِيمَا نَدِينُ بِهِ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ تَوَصَّيْنَا بِهِ
مِنْ أَمْرِ دِينِنَا، وَبَيِّنَةٍ لَنَا نَرْجُو بِهَا السَّلَامَةَ فِي مَعَادِنَا؟ فَقَالَ: الَّذِي أَدِينُ اللَّهَ بِهِ
وَأُوصِيكُمْ هُوَ مَا ثَبَّتَ فِي كُتُبِي فَاعْمَلُوا بِهِ وَعَلَيْهِ، وَكَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، وَأَكْثَرَ مِنَ التَّشَهُّدِ
وَذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَغَمَضَ بِصِرْهِ بِيَدِهِ وَبَسَطَهَا وَقَدْ فَارَقَتْ
رُوحُهُ الدُّنْيَا.
[٣] وكان مولده سنة أربع وعشرين ومئتين، ورحل من أمل لما ترعرع وحفظ القرآن،
وسمح له أبوه في أسفاره، وكان طول حياته يمدّه بالشيء بعد الشيء إلى البلدان،
فيقتات به، ويقول فيما سمعته: أبطأت عني نفقة والدي، واضطرت إلى أن فتقت
كُمي قميصي فبعثهما.
[٤] وكان ابن جرير من رجال الكمال، وشنع عليه بيسير تشيع، وما رأينا إلا الخير،
وبعضهم ينقل عنه أنه كان يجيز مسح الرجلين في الوضوء ولم نر ذلك في كتبه.
[٥] ولأبي جعفر في تأليفه عبارة وبلاغة، فمما قاله في كتاب: «الآداب النفيسة
والأخلاق الحميدة»: القول في البيان عن الحال الذي يجب على العبد مراعاة حاله
فيما يصدر من عمله الله عن نفسه، قال: (إنه لا حالة من أحوال المؤمن يغفل عدوه
الموكل به عن دعائه إلى سبيله، والقعود له رصداً بطرق ربه المستقيمة، صاداً له
عنها، كما قال لربه - عز ذكره - إذ جعله من المنظرين:
﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾
[الأعراف ١٦، ١٧].
1040
طمعاً منه في تصديق ظنه عليه إذ قال لربه ﴿لَئِنْ أَخْرَجْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٦٢].
فحق على كل ذي حجي أن يُجهد نفسه في تكذيب ظنه، وتخبيبه منه أمله وسعيه فيما أرغمه، ولا شيء من فعل العبد أبلغ في مكروهه من طاعته ربه وعصيانه أمره، ولا شيء أسر إليه من عصيانه ربه، واتباعه أمره. فكلام أبي جعفر من هذا النمط، وهو كثير مفيد.
[١] وقد حكى أبو علي التنوخي في «النشوار» له، عن عثمان بن محمد السلمي قال: حدثني ابن منجو القائد قال: حدثني غلام لابن المزوق قال: اشترى مولاي جارية، فزوجنيها، فأحببتها وأبغضتني حتى ضجرت، فقلت لها: أنت طالق ثلاثاً، لا تخاطبني بشيء إلا قلت لك مثله، فكم أحتملك؟ فقالت في الحال: أنت طالق ثلاثاً. فأبست، فدللت على محمد بن جرير فقال لي: أقم معها بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثاً إن طلقتك فاستحسن هذا الجواب. وذكره شيخ الحنابلة ابن عقيل، وقال: وله جواب آخر: أن يقول كقولها سواء: أنت طالق ثلاثاً - بفتح التاء - فلا يحنث. وقال أبو الفرج بن الجوزي: وما كان يلزمه أن يقول لها ذلك على الفور، فله التمادي إلى قبل الموت.
قلت: ولو قال: أنت طالق ثلاثاً، وقصد الاستفهام أو عني أنها طالق من وثاق، أو عني الطلق لم يقع طلاق في باطن الأمر.
وله جواب آخر على قاعدة مراعاة سبب اليمين ونية الحالف، فما كان عليه أن يقول لها ما قالته، إذ من المعلوم بقرينة الحال استثناء ذلك قطعاً، لأنه ما قصد إلا أنها إذا قالت له ما يؤذيه أن يؤذيه بمثل ولو جاوبها بالطلاق لسرّت هي، ولتأذى هو، كما استثنى من عموم قوله تعالى ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٢٣] بقرينة الحال أنها لم تؤت لحية ولا إحليلاً. ومن المعلوم استثناءه بالضرورة التي لم يقصدها الحالف قط لو حلف: لا تقول لي شيئاً إلا قلت لك مثله، أنها لو كفرت وسبّت الأنبياء فلم يجاوبها بمثل ذلك لأحسن.
1041
وذهب إمام (١) في زماننا إلى أن من خلف على حض أو منع بالطلاق أو العتاق،
أو الحج ونحو ذلك فكفارته كفارة يمين، ولا طلاق عليه.
[١] أبو سعيد الدِّينَوَرِيُّ مُستَملي ابن جرير، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري
بعقيدته، فمن ذلك: وحسب امرىء أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى،
فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر. وهذا «تفسير» هذا الإمام مشحون في آيات
الصفات بأقوال السلف على الإثبات لها، لا على النفي والتأويل، وأنها لا تشبه
صفات المخلوقين أبداً.
[٢] قال أحمد بن كامل: توفي ابن جرير سنة عشر وثلاث مئة ودفن في داره برحبة
يعقوب، يعني ببغداد. وشيعه من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وصلي على قبره عدة
شهور ليلاً ونهاراً، إلى أن قال: ورثاه خلق من الأدباء وأهل الدين، ومن ذلك قول
أبي سعيد الأعرابي:
[٣] حَدَثَ مُفْظِعٌ وَخَطَبَ جَلِيلٌ دَقَّ عَنْ مِثْلِهِ اصْطِبَارُ الصَّبُورِ
قَامَ نَاعِي الْعُلُومِ أَجْمَعَ لَمَّا قَامَ نَاعِي مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ
(١) هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد جاء في هامش الأصل ما نصه: «أخطأ هذا الإمام فيما ذهب إليه، ونُدع
بذلك، وحجر عليه، واعتقل غير مرة إلى أن مات، وقد نقل الإجماع في المسألة - على خلاف قوله - جماعة من
الأئمة، ورد عليه غير واحد من المحققين، والله المستعان».
1042