نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦١٤ ابنُ الجَصَّاص (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦١٤ ابنُ الجَصَّاص (١)
[١] الصُّدْرُ الرَّئِيسُ، ذُو الْأَمْوَالِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَصَّاصِ، الْبَغْدَادِيُّ الْجَوْهَرِيُّ التَّاجِرُ الصَّفَّارُ.
[٢] وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا فِي الدَّهْلِيِّ، فَخَرَجَتْ قَهْرَمَانَةُ مَعَهَا مِئَةُ حَبَّةٍ جَوْهَرٍ، تَسَاوِي الْحَبَّةُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَتْ: نُرِيدُ أَنْ تَخْرُطَ هَذَا الْحَبُّ حَتَّى يَسْعُرَ، فَأَخَذْتُهُ مِنْهَا مُسْرِعًا، وَجَمَعْتُ سَائِرَ نَهَارِي مِنَ الْحَبِّ بِمِئَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، الْوَاحِدَةُ بِأَلْفٍ، وَأَتَيْتُ بِهِ الْقَهْرَمَانَةَ، وَقُلْتُ: قَدْ خَرَطْنَا هَذَا.
[٣] يَعْنِي: فَرِيحٌ فِيهِ - فِي يَوْمٍ - بِضْعَةٌ وَتِسْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَلَمَّا تَزَوَّجَ الْمُعْتَضَدُ بِاللَّهِ بِقَطْرِ النَّدَى بِنْتِ خُمَارَوَيْهِ صَاحِبِ مِصْرَ، نَفَّذَهَا أَبُوهَا مَعَ ابْنِ الْجَصَّاصِ فِي جِهَازِ عَظِيمٍ وَتُحَفٍّ وَجَوَاهِرِ تَتَجَاوَزُ الْوَصْفَ، فَنَصَحَهَا ابْنُ الْجَصَّاصِ وَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَالْأَوْقَاتُ تَتَغَيَّرُ، فَلَوْ أَوْدَعَتْ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا عَمُّ. وَأَوْدَعَتْهُ نَفَائِسُ ثَمِينَةً، فَاتَّفَقَ أَنَّهَا أُدْخِلَتْ عَلَى الْمُعْتَضَدِ، وَكَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَحَمَلَتْ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فِي النَّفَاسِ بَغْتَةً، وَزَادَتْ أَمْوَالُ ابْنِ الْجَصَّاصِ إِلَى الْغَايَةِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْأَعْيُنُ، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثَ مِئَةٍ قَبَضَ عَلَيْهِ الْمُقْتَدِرُ، وَكُبِسَتْ دَارُهُ، وَأَخَذُوا لَهُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ مَا قُوِّمَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ.
[٤] وَيَحْكِي عَنْهُ بَلَدٌ وَتَغْفِيلٌ، مَرَّ بِهِ صَدِيقٌ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ؟ فَقَالَ ابْنُ الْجَصَّاصِ: الدُّنْيَا كُلُّهَا مَحْمُومَةٌ، وَكَانَ قَدْ حُمَّ.
[٥] وَنَظَرَ مَرَّةً فِي الْمَرْأَةِ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: تَرَى لِحْيَتِي طَالَتْ؟ فَقَالَ: الْمَرْأَةُ فِي يَدِكَ. قَالَ: الشَّاهِدُ يَرَى مَالًا يَرَى الْغَائِبَ.
[٦] وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى الْوَزِيرِ ابْنُ الْفُرَاتِ فَقَالَ: عِنْدَنَا كِلَابٌ يَحْرِمُونَنَا نَنَامَ. فَقَالَ الْوَزِيرُ: لَعَلَّهُمْ جِرَاءً؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي قَدًى وَقَدَّكَ.
(١) انظر السير: ١٤/٤٦٩-٤٧٣.
1053
[١] ودعا فقال: حسبي الله وأنبياؤه وملائكته، اللهم، أعد من بركة دعائنا على أهل
القصور في قصورهم، وعلى أهل الكنائس في كنائسهم.
[٢] وفرغ من الأكل فقال: الحمد لله الذي لا يُحلف بأعظم منه.
[٣] وكان مع الخاقاني في مركب وبيده كرة كافور، فبصق في وجه الوزير وألقي
الكافورة في دجلة، ثم أفاق واعتذر، وقال: إنما أردت أن أبصق في وجهك وألقيها
في الماء فغلطت. فقال: كان كذلك يا جاهل.
[٤] قال التنوخي: حدثنا جعفر بن ورقاء الأمير قال: اجتزت بابن الجصاص وكان
مصاهري، فرأيته على حوش داره حافياً حاسراً، يعدو كالمجنون، فلما رآني
استحي، فقلت: مالك؟ قال: يحق لي، أخذوا مني أمراً عظيماً، فلمته وقلت:
ما بقي يكفي، وإنما يقلق هذا القلق من يخاف الحاجة، فاصبر حتى أبين لك
غناك. قال: هات. قلت: أليس دارك هذه بالتها وفرشها لك؟ وعقارك بالكرخ
وضياعك؟ قال: بلى. فما زلت أحاسبه حتى بلغ قيمة سبع مئة ألف دينار، ثم
قلت: واصدقني عما سلم لك، فحسبناه، فإذا هو بثلاث مئة ألف دينار، قلت:
فمن له ألف ألف دينار ببغداد؟! هذا وجاهك قائم. فلم تغتم؟ فسجد الله وحمده
وبكى، وقال: أنقذني الله بك، ما عزاني أحد بأنفع من تعزيتك ما أكلت شيئاً
منذ ثلاث، فأقم عندي لتأكل وتتحدث، فأقمت عنده يومين.
[٥] قال التنوخي: اجتمعت بأبي علي - ولد ابن الجصاص - فسألته عما يحكى عن
أبيه من أن الإمام قرأ (ولا الضالين) فقال: إني لعمري بدلاً من آمين.
[٦] وأنه أراد أن يقبل رأس الوزير، فقال: إن فيه دهناً. فقال: أقبله ولو كان فيه خرا،
فقال: ما كانت فيه سلامة (١) تخرجه إلى هذا، كان من أدهى الناس، ولكن كان
يفعل بحضرة الوزير، وكان يحب أن يصوّر نفسه ببلة ليأمنه الوزراء لكثرة خلوته
بالخلفاء.
وتوفي ابن الجصاص سنة خمس عشرة وثلاث مئة، وقد أسن.
(١) أي: غفلة.
1054