نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٣٦ - الطائع لله (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٣٦ - الطائع لله (١)
[١] الخليفة أبو بكر عبد الكريم بن المطيع الله الفضل بن المقتدر. وكان الحل والعقد للملك عز الدولة وابن عمه عضد الدولة.
قال ابن الجوزي: لما استخلف ركب وعليه البردة وبين يديه سبكتكين الحاجب وخلع من الغد على سبكتكين خلع السلطنة، وعقد له اللواء، ولقبه نصر الدولة. ولما كان عيد الأضحى ركب الطائع إلى المصلى، وعليه قباء وعمامة، فخطب خطبة خفيفة بعد أن صلى بالناس فتعرض عز الدولة لإقطاع سبكتكين، فجمع سبكتكين الأتراك فالتقوا فانتصر سبكتكين، وقامت معه العامة، وكتب عز الدولة يستنجد بعض الدولة، فتوانى، وصار الناس جزين، فكانت السنة والديلم ينادون بشعار سبكتكين، والشيعة ينادون بشعار عز الدولة ووقع القتال، وسفكت الدماء، وأحرق الكرخ.
[٢] وجرت وقعة بين عز الدولة، وعضد الدولة، أسر فيها مملوك أمرد لعز الدولة فجئ عليه، وأخذ في البكاء، وترك الأكل وتذل في طلبه، فصار ضحكة وتذل
(١) انظر السير: ١٥ / ١١٨-١٢٧.
1077
جاريتين عَوَّادَتَيْنِ فِي فِدَائِهِ.
[١] وَتَمَكَّنَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَلُقِّبَ أَيْضاً تَاجَ الْمِلَّةِ، وَضُرِبَتْ لَهُ التَّوْبَةُ فِي ثَلَاثَةِ
أَوْقَاتٍ، (١) وَعَلَا سُلْطَانُهُ عُلُوّاً لَا مُزِيدَ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ الِارْتِقَاءِ فَكَانَ يَخْضَعُ
لِلطَّائِعِ، وَجَاءَهُ رَسُولُ الْعَزِيزِ صَاحِبِ مِصْرَ، فَرَأَسَهُ بِتَوَدُّدٍ وَطَلَبَ مِنَ الطَّائِعِ أَنْ
يَزِيدَ فِي أَقْوَابِهِ، فَجَلَسَ لَهُ الطَّائِعُ وَحَوَّلَهُ مِئَةً بِالسُّيُوفِ وَالزِّينَةِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ
الْمُصْحَفُ الْعُثْمَانِيُّ، وَعَلَى كَتِفِهِ الْبَرْدَةُ وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ، وَهُوَ مُتَقَلِّدُ السَّيْفِ،
وَأُسْبِلَتِ السِّتَارَةُ وَدَخَلَ التُّرُكُ وَالدَّيْلَمُ بِلَا سِلَاحٍ، ثُمَّ أُذِنَ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ وَرَفَعَتْ
لَهُ السِّتَارَةُ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ قَالَ: فَارْتَاعَ زِيَادُ الْقَائِدِ، وَقَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ: أَهَذَا هُوَ اللهُ،
فَقَبِلَ لَهُ: بَلْ خَلِيفَةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ. وَمَشَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ مَرَّاتٍ
سَبْعاً فَقَالَ الطَّائِعُ لِخَادِمِهِ: اسْتَدْنِيهِ. فَصَعِدَ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: ادْنُ
إِلَيَّ، فَدَنَا حَتَّى قَبَّلَ رِجْلَهُ، فَنَتَى الطَّائِعُ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيٍّ بَعْدَ
الِامْتِنَاعِ، حَتَّى قَالَ: أَقْسَمْتُ لِتَجْلِسَنَّ، ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ أَشُوقَنَا إِلَيْكَ وَأَتَوَفَّنَا إِلَى
مُفَاوَضَتِكَ، فَقَالَ: عُذْرِي مَعْلُومٌ. قَالَ: نَبِّئُكَ مُوثَّقٌ بِهَا، فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، فَقَالَ:
قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَفْوَضَ إِلَيْكَ مَا وَكَلَهُ اللهُ إِلَيَّ مِنْ أُمُورِ الرَّعِيَّةِ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرِّبْهَا
سِوَى خَاصَّتِي وَأَسْبَابِي، فَتَوَلَّ ذَلِكَ مُسْتَجِيراً بِاللهِ، قَالَ: يُعِينُنِي اللهُ عَلَى طَاعَةِ
مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَخِدْمَتِهِ، وَأُرِيدُ كِبَارَ الْقُوَّادِ أَنْ يَسْمَعُوا لِفِظِكَ. قَالَ الطَّائِعُ:
هَاتُوا الْحُسَيْنَ بْنَ مُوسَى، وَابْنَ مَعْرُوفٍ، وَابْنَ أُمِّ شَيْبَانَ فَقَدَّمُوا، فَأَعَادَ الطَّائِعُ
بِالتَّفْوِيضِ، ثُمَّ أَلْبَسَ الْخِلَعَ وَالتَّاجَ، فَأَوْمَأَ لِيَقْبِلَ الْأَرْضَ فَلَمْ يُطِقْ. فَقَالَ الطَّائِعُ:
حَسْبُكَ. وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءَيْنِ بِيَدٍ ثُمَّ قَالَ: يُقْرَأُ كِتَابُهُ فَقُرِئَ. فَقَالَ الطَّائِعُ: خَارَ اللهُ
لَنَا وَلَكَ وَلِلْمُسْلِمِينَ، أَمَرَكَ بِمَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ، وَأَنْهَاكَ عَمَّا نَهَاكَ اللهُ عَنْهُ وَأَبْرَأَ إِلَى
اللهِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ. انْهَضْ عَلَى اسْمِ اللهِ. ثُمَّ أَعْطَاهُ بِيَدِهِ سَيْفاً ثَانِياً غَيْرَ سَيْفِ
الْخِلْعَةِ، وَخَرَجَ مِنْ بَابِ الْخَاصَّةِ، وَشَقَّ الْبَلَدَ.
(١) كَانَ مِنَ الْعَادَةِ أَنْ تَضْرِبَ الدَّبَّادَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ عَلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ وَقَدْ أَحَبَّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ أَنْ تَضْرِبَ
لَهُ الدَّبَّادَ أَيْضاً عَلَى بَابِهِ. . وَسَأَلَ الْمُطِيعَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ.
1078
[١] وتحاربت الشيعة والسنة مدة، ثم وثبوا على الطائع لله في داره في تاسع عشر
شعبان سنة ٣٨١ وسببه أن شيخ الشيعة ابن المعلم كان من خواص بهاء الدولة
فحبس، فجاء بهاء الدولة، وقد جلس الطائع في الرواق متقلد السيف، فقبل
الأرض، وجلس على كرسي، فتقدم جماعة من أعوانه، فجذبوا الطائع بحمائل
سيفه، ولفوه في كساء وأصعد في سفينته إلى دار المملكة.
وأشهد على الطائع بخلع نفسه، وأنه سلم الخلافة إلى القادر بالله، وشهد
الكبراء بذلك، ثم طلب القادر، واستحثوه على القدوم، واستبيحت دار الخلافة
حتى نقض خشبها.
وكانت دولته ثمانية عشرة سنة. وبقي بعد عزله أعواماً إلى أن مات سنة ثلاث
وتسعين وثلاث مئة فصلى عليه القادر وكبر خمساً.
وعاش ثلاثاً وسبعين سنة رحمه الله.
1079