نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٣٣٧ ابن أبي ذئب (ع)(١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٣٣٧ ابن أبي ذئب (ع)(١)
[٤] محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب واسم أبي ذئب:
هشام بن شعبة - الإمام شيخ الإسلام أبو الحارث القرشي العامري المدني الفقيه.
[٥] قال أحمد بن حنبل: كان يشبه بسعيد بن المسيب، فقيل لأحمد خلف مثله؟
قال: لا. ثم قال: كان أفضل من مالك، إلا أن مالكاً رحمه الله - أشد تنقية للرجال
منه.
قلت: وهو أقدم لقيا للكبار من مالك، ولكن مالكاً أوسع دائرة في العلم،
والفتيا، والحديث، والإتقان منه بكثير.
[٦] قال الواقدي تلميذه: وكان يصلي الليل أجمع ويجتهد في العبادة، ولو قيل له:
إن القيامة تقوم غداً ما كان فيه مزيد من الاجتهاد.
[٧] أخبرني أخوه قال: كان أخي يصوم يوماً ويفطر يوماً، ثم سرد الصوم، وكان شديد
الحال، يتعشى الخبز والزيت، وله قميص وطيلسان، يشتو فيه ويصيف. قال:
(١) انظر السير: ٧/١٣٩-١٤٩.
573
وكان من رجال الناس صرامةً وقولاً بالحق، وكان يحفظ حديثه، لم يكن له كتاب، وكان يروح إلى الجمعة باكراً، فيصلي إلى أن يخرج الإمام. ورأيته يأتي دار أجداده عند الصفا فيأخذ كراءها، وكان لا يُغيّر شبيه.
[١] وفي (مسند) الشافعي سماعنا أخبرني أبو حنيفة بن سماك، حدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح أن رسول الله ﷺ قال: من قُتِل له قُتِل فهو بخير النُّظَرَيْن: إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود.
[٢] قلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا؟ فضرب صدري، وصاح كثيراً، ونال مني، وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: تأخذ به، نعم آخذ به، وذلك الفرض عليّ، وعلى كل من سمعه. إن الله اختار محمداً ﷺ من الناس فهداهم به، وعلى يديه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين، لا مخرج لمسلم من ذلك. [٣] قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكاً لم يأخذ بحديث (البيعان بالخيار) فقال: يُستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من مالك.
[٤] قلت: لو كان ورعاً كما ينبغي، لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم. فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث، لأنه رآه منسوخاً. [٥] وقيل: عمل به وحمل قوله: «حَتَّى يَتَفَرَّقَا» على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولا بد، فإن أصاب، ازداد أجراً آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية (١). وبكل حال فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعَوَّل على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالماً المدينة في زمانهما - رضي الله عنهما - ولم يسندها الإمام أحمد فلعلها لم تصح. [٦] قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ذئب ثقة. قد دخل على أبي جعفر المنصور فلم
(١) الحرورية: هم الخوارج، ونسبتهم هذه إلى: حروراء، وهو موضع بظاهر الكوفة وبه كان أول اجتماعهم وتحكيمهم حين خالفوا علياً - رضي الله عنه - وخرجوا عليه.
574
يَهْلُهُ أَنْ قَالَ لَهُ الْحَقُّ. وَقَالَ: الظُّلْمُ بِبَابِكَ فَاشٍّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ أَبُو جَعْفَرٍ. قَدِمَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ بِغَدَادٍ، فَحَمَلُوا عَنْهُ الْعِلْمَ، وَأَجَازَهُ الْمَهْدِيُّ بِذَهَبٍ جَيِّدٍ، ثُمَّ رُدَّ إِلَى بِلَادِهِ، فَأَدْرَكَهُ الْأَجَلُ بِالْكُوفَةِ، غَرِيبًا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
575