نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٦٥١ - الفائز بالله (٢)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٦٥١ - الفائز بالله (٢)
[١] صَاحِبُ مِصْرَ أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى بْنُ الظَّافِرِ إِسْمَاعِيلَ الْعَبِيدِيُّ. [٢] لَمَّا اغْتَالَ عَبَّاسٌ الْوَزِيرُ الظَّافِرَ، أَظْهَرَ الْقَلَقَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ أَهْلُ الْقَصْرِ بِمَقْتَلِهِ. فَطَلَبُوهُ فِي دَوْرِ الْحُرَمِ فَمَا وَجَدُوهُ. وَفَتَّشُوا عَلَيْهِ وَأَيَسُوا مِنْهُ. وَقَالَ عَبَّاسٌ لِأَخَوَيْهِ: أَنْتُمَا الَّذِينَ قَتَلْتُمَا خَلِيفَتَنَا فَأَصْرَأَ عَلَى الْإِنْكَارِ، فَقَتَلْتُهُمَا نَفْياً لِلتُّهْمَةِ عَنْهُ. وَاسْتَدْعَى فِي الْحَالِ عِيسَى هَذَا، وَهُوَ طِفْلٌ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَقِيلَ: بَلْ سِنَتَانِ فَحَمَلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ، وَوَقَفَ بَاكِياً كَثِيباً، وَأَمَرَ بِأَنْ تَدْخُلَ الْأُمَرَاءُ، فَدَخَلُوا فَقَالَ: هَذَا وَلَدُ مَوْلَاكُمْ، وَقَدْ قَتَلَ عَمَّاهُ مَوْلَاكُمْ، فَقَتَلْتُهُمَا بِهِ كَمَا تَرَوْنَ وَالْوَاجِبُ إِخْلَاصُ النِّيَّةِ وَالطَّاعَةِ لِهَذَا الْوَلَدِ. فَقَالُوا كُلُّهُمْ: سَمِعُوا وَطَاعَةً، وَضَجُّوا ضَجَّةً قَوِيَّةً بِذَلِكَ. فَفَزِعَ الطِّفْلُ، وَبَالَ عَلَى كَتِفِ الْمَلِكِ عَبَّاسٌ. وَلَقَّبُوهُ الْفَائِزَ، وَبَعَثُوهُ إِلَى أُمِّهِ، وَاخْتَلَّ عَقْلُهُ مِنْ حِينَئِذٍ وَصَارَ يَتَحَرَّكُ وَيُصْرَعُ، وَدَانَتْ الْمَمَالِكُ لِعَبَّاسٍ. وَأَمَّا أَهْلُ الْقَصْرِ، فَاطَّلَعُوا عَلَى بَاطِنِ الْقَضِيَّةِ، وَأَقَامُوا الْمَآثِمَ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَتَحَيَّلُوا، وَكَاتِبُوا طَلَائِعَ بْنَ رُزَيْكٍ الْأَرْمَنِيِّ الرَّافِضِيِّ (٣) وَالْيَ الْمُنِيَّةِ، (٤) وَكَانَ ذَا
(٢) انْظُرِ السِّيَرَ: ١٥/٢٠٥-٢٠٧.
(٣) لَقَّبَ بِالْمَلِكِ الصَّالِحِ. كَانَ شَجَاعاً حَازِماً مُدَبَّراً، أَصْلُهُ مِنَ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ فِي الْعِرَاقِ، مَاتَ غِيلَةَ سَنَةَ ٥٥٦ هـ.
(٤) مِنِّيَّةُ بَنِي خَصِيبٍ، مِنْ أَعْمَالِ صَعِيدٍ مِصْرَ.
1103
شَهَامَةٍ وَإِقْدَامٍ. فَسَأَلُوهُ الْغَوْثَ، وَقَطَعُوا شُعُورَ النِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ، وَسَيَّرُوهَا فِي طَيِّ الْكِتَابِ وَسَخَّمُوهُ، فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ اطَّلَعَ مِنْ حَوْلِهِ مِنَ الْجُنْدِ عَلَيْهِ، وَبَكَوْا. وَلَيْسَ الْجِدَادَ، وَاسْتَمَالَ عَرَبَ الصَّعِيدِ، وَجَمَعَ وَحَشَدَ، وَكَاتَبَ أُمَرَاءَ الْقَاهِرَةِ، وَهَيَّجَهُمْ عَلَى طَلَبِ الثَّأْرِ فَأَجَابُوهُ. فَسَارَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، فَبَادَرَ إِلَى رُكَابِهِ جُمْهُورُ الْجَيْشِ، وَبَقِيَ عَبَّاسٌ فِي عَسْكَرٍ قَلِيلٍ. فَخَارَتْ قُوَاهُ وَهَرَبَ هُوَ وَابْنُهُ نَصْرَ وَمَمَالِكِيهِ وَالْأَمِيرُ ابْنُ مُنْقَذٍ.
ثُمَّ قَصَدَ عَبَّاسُ الشَّامِ عَلَى نَاحِيَةٍ أَيْلَةً فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ، فَمَا كَانَتْ أَيَّامُهُ بَعْدَ قَتْلِ الظَّافِرِ إِلَّا يَسِيرَةً، وَاسْتَوْلَى الصَّالِحُ طَلَائِعُ بْنُ رُزَيْكٍ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ بِلَا ضَرْبَةٍ وَلَا طَعْنَةٍ، فَنَزَلَ إِلَى دَارِ عَبَّاسٍ، وَطَلَبَ الْخَادِمَ الصَّغِيرَ الَّذِي كَانَ مَعَ الظَّافِرِ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ أُسْتَاذُهُ، فَأَغْلَمَهُ فَقَلَعَ بِلَاطَهُ، وَأَخْرَجَ الظَّافِرَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْقَتْلَى. وَحُمِّلُوا وَنَاحُوا عَلَيْهِمْ. وَتَكَفَّلَ طَلَائِعُ بِالْفَائِزِ، وَدَبَّرَ الدَّوْلَةَ.
وَجَهَّزَتْ أُخْتُ الظَّافِرِ رَسُولًا إِلَى الْفِرَنْجِ بِعَسْقَلَانٍ، وَبَذَلَتْ لَهُمْ مَالًا عَظِيمًا إِنْ أَسَرُّوا لَهَا عَبَّاسًا وَابْنَهُ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِ، فَالْتَقَاهُمْ، فَقُتِلَ فِي الْوَقْعَةِ، وَأُخِذَتْ خَزَائِنُهُ، وَأَسَرُّوا ابْنَهُ نَصْرًا، وَبَعَثُوهُ إِلَيْهَا فِي قَفَصٍ حَدِيدٍ، فَلَمَّا وَصَلَ، قَبَضَ رَسُولُهُمُ الْمَالَ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسِينَ، فَقُطِعَتْ يَدُ نَصْرٍ، وَضُرِبَ بِالْمَقَارِعِ كَثِيرًا، وَقُصَّ لَحْمُهُ ثُمَّ صُلِبَ فَمَاتَ، فَبَقِيَ مُعَلَّقًا شُهُورًا، ثُمَّ أَحْرَقَ. مَاتَ الْفَائِزُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسٍ مِئَةٍ، وَلَهُ نَحْوُ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَبَايَعُوا الْعَاضِدَ.
1104