نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء
٥٠٧ أحمد بن أبي الحواري (د، ق) (١)
حدّد أي نص في الفصل لنسخه بإحالة أو توليد بطاقة اقتباس
٥٠٧ أحمد بن أبي الحواري (د، ق) (١)
[١] واسم أبيه عبد الله بن ميمون الإمام الحافظ القدوة، شيخ أهل الشام، أبو
الحسن، الثعلبي الفطفاني الدمشقي الزاهد، أحد الأعلام أصله من الكوفة.
قال: سألني أحمد بن حنبل: متى مولدك؟ قلت: في سنة أربع وستين ومئة.
[٢] عن يحيى بن معين، وذكر أحمد بن أبي الحواري، فقال: أهل الشام به
يُمطرون.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يُحسِّن الثناء عليه، ويُطَبِّب فيه.
[٣] قال محمد بن عوف الحمصي: رأيت أحمد بن أبي الحواري عندنا
بأنطرسوس (٢)، فلما صلى العتمة (٣) قام يصلي، فاستفتح بـ «الحمد لله» إلى
«إياك نَعْبُدُ وإياك نَسْتَعِينُ»، فطفقت الحائط كله، ثم رجعت، فإذا هو لا يجاوزها
ثم نمت، ومررت في السحر، وهو يقرأ: «إياك نَعْبُدُ» فلم يزل يرددها إلى
الصبح.
[٤] قال سعيد بن عبدالعزيز: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: من عمل بلا
اتباع سنة فعملها باطل.
[٥] وقال: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب، أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه.
[٦] أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لراهب في دير حرملة، وأشرف من صومعته:
ما اسمك؟ قال: جريح. قلت: ما يحبسك؟ قال: حبست نفسي عن الشهوات.
قلت: أما كان يستقيم لك أن تذهب معنا هنا وتجيء وتمنعها الشهوات؟ قال:
(١) انظر السير: ١٢/٨٥-٩٤.
(٢) في ومعجم البلدان أنطرطوس: بلد من سواحل بحر الشام.
(٣) أي صلاة العشاء لأنها تصلى في العتمة أي الظلمة.
873
هيهات!! هذا الذي تصفه قوة وأنا في ضعف، قلت: ولم تفعل هذا؟ قال: نجد في كتبنا أن بَدَنَ ابن آدم خُلِقَ من الأرض، وروحهُ خُلِقَ من ملكوت السماء، فإذا أجمع بدنه وأعراه وأسهره وأقماه نازع الروح إلى الموضع الذي خرج منه، وإذا أطعمه وأراحه أخلد البدن إلى المواضع الذي منه خُلِقَ، فأحب الدنيا. قلت: فإذا فعل هذا يعجل له في الدنيا الثواب؟ قال: نعم نور يوازيه. قال: فحدثت بهذا أبا سليمان الدارني، فقال: قاتله الله، إنهم يصفون.
[١] قلت: الطريقة المثلى هي المحمدية، وهو الأخذ من الطيبات وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون ٥١].
وقد قال النبي ﷺ: «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام وآتي النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، فلم يشرع لنا الرهبانية، ولا التمزق ولا الوصال بل ولا صوم الدهر، ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة، فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧].
وقد كان النساء أحب شيء إلى نبينا ﷺ، وكذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب الحلو البارد والمسك، وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله تعالى.
[٢] ثم العابد العري من العلم، متى زهد وتبتل وجاع، وخلا بنفسه، وترك اللحم والثمار، واقتصر على الدقة والكسرة، صفت حواسه ولطفت، ولازمته خطرات النفس، وسمع خطاباً يتولد من الجوع والسهر لا وجود لذلك الخطاب - والله - في الخارج، وولج الشيطان في باطنه وخرج، فيعتقد أنه قد وصل، وخطب وارتقى، فيتمكن منه الشيطان، ويوسوس له، فينظر إلى المؤمنين بعين الإزدراء، ويتذكر ذنوبهم، وينظر إلى نفسه بعين الكمال، وربما آل به الأمر إلى أن يعتقد أنه ولي، صاحب كرامات وتمكن، وربما حصل له شك، وتزلزل إيمانه فالخلوة والجوع أبو جاد الترهب، وليس ذلك من شريعتنا في شيء، بلى السلوك الكامل هو الورع في القوت، والورع في المنطق، وحفظ اللسان، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة،
874
والبكاء على الخطيئة، والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقّت النفس وذمها في ذات الله، والإكثار من الصوم المشروع، ودوام التهجد، والتواضع للمسلمين، وصلة الرحم والسماحة وكثرة البشر، والإنفاق مع الخصاصة، وقول الحق المرّ برفق وتؤدة، والأمر بالعُرف، والأخذ بالعفو، والإعراض عن الجاهلين، والرباط بالثغر، وجهاد العدو، وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر، فهذه شمائل الأولياء، وصفات المحمديين، أماتنا الله على محبتهم.
[١] عمر بن بحر، سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: بينا أنا في قبة بالمقابر بلا باب إلا كساء أسلته، فإذا أنا بامرأة تدق على الحائط فقلت: من هذا؟ قالت: ضالة، فدلني على الطريق. فقلت: رحمك الله، أي الطريق تسلكين، فبكت، ثم قالت: على طريق النجاة، يا أحمد. قلت: هيهات! إن بيننا وبينها عقاباً، وتلك العقاب لا تقطع إلا بالسير الحثيث، وتصحيح المعاملة، وحذف العلائق الشاغلة، فبكت، ثم قالت: سبحان من أمسك عليك جوارحك فلم تتقطع، وفؤادك فلم يتصدع. ثم خرت مغشياً عليها. فقلت لبعض النساء: أي شيء حالها؟ ففمن، ففتشنها، فإذا وصيتها في جيبها: كفنوني في أثوابي هذه، فإن كان لي عند الله خير فهو أسعد لي، وإن كان غير ذلك فبعداً لنفسي، قلت: ما هي؟ فحركوها، فإذا هي ميتة. فقلت: لمن هذه الجارية؟ قالوا: جارية قرشية مصابة، وكان قرينها يمنعها من الطعام، وكانت تشكو إلينا وجعاً بجوفها، فكنا نصفها للأطباء، فتقول: خلوا بيني وبين الطبيب الراهب، تعني: أحمد بن أبي الحواري، أشكو إليه بعض ما أجد من بلائي، لعله أن يكون عنده شفائي.
[٢] أحمد بن أبي الحواري قال: كنت أسمع وكيعاً يبتدئ قبل أن يحدث فيقول: ما هنالك إلا عفوه، ولا نعيش إلا في ستره، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم.
[٣] أبو الدحداح الدمشقي: حدثنا الحسين بن حامد أن كتاب المأمون ورد على إسحاق بن يحيى بن معاذ أمير دمشق: أن أحضر المحدثين بدمشق فامتحنهم.
875
قال: فأحضر هشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وابن ذكوان، وابن أبي الحواري، فامتحنهم امتحاناً ليس بالشديد فأجابوا خلا أحمد بن أبي الحواري، فجعل يرفق به، ويقول: أليس السماوات مخلوقة؟ أليس الأرض مخلوقة، وأحمد يأبى أن يطيعه، فسجنه في دار الحجارة، ثم أجاب بعد فأطلقه.
[١] قال أحمد السلمي في (محن الصوفية): أحمد بن أبي الحواري شهد عليه قوم أنه يفضل الأولياء على الأنبياء وبذلوا الخطوط عليه، فهرب من دمشق إلى مكة، وجاور حتى كتب إليه السلطان، يسأله أن يرجع فرجع.
قلت: إن صحت الحكاية فهذا من كذبهم على أحمد، وهو كان أعلم بالله من أن يقول ذلك. توفي أحمد سنة ست وأربعين ومئتين.
876